لم تكن خطى الرواد الأوائل في التنقيب عن النفط في صحراء المملكة تبدو أنها ساحة لليأس أبداً، ففي الوقت الذي كانت تواجه أعمال الحفر في تكوين قبة الدمام الجيولوجي الكثير من الإحباطات وسقوط مثاقب الحفر في أعماق الآبار السحيقة تارة، وحفر آبار اكتشف فيما بعد أنها جافة تارة أخرى، كانت هناك أقدام تجول فوق الكثبان والتلال غرباً وشمالاً وجنوباً. وما أن بدأت إرهاصات العثور على الزيت في الظهران قليلاً حتى جدت خطى تلك الأقدام خارج تلال الدمام والظهران في البحث وتوسيع بصيص الأمل الذي بدأ نوره في الانبلاج رويداً رويداً.
ويمكن القول أن ماكس ستاينكي، أحد الجيولوجيين الرواد الذين عملوا في أرامكو، هو أول من اعتقد بوجود الزيت تحت رمال بقيق. ففي عام 1937م، وبينما كان ستاينكي يجول في البر مع رائد جيولوجي هو «فرد ديفز»، وجد نواتئ في صخور جيرية من العصر الثلاثي، جعلته يوقن بوجود تكوينات حاملة للزيت في المنطقة. وقد ثبت أنه كان على صواب عندما اكتشف الزيت بكميات تجارية في بقيق في نوفمبر 1940م. لكن الحقل أغلق، فيما بعد، بسبب الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من ركود في الأعمال. ثم استؤنف الحفر في عام 1944م ووصل نشاط الأعمال إلى حد دعا، في عام 1948م، إلى إقامة مرافق سكنية وصناعية في بقيق، لمساندة برنامج الحفر الكبير.
وقد لعب حقل بقيق دوراً هاماً في نمو أرامكو، في السنوات الأولى بعد الحرب، إذ كان جميع إنتاج أرامكو، حتى عام 1950م، يستخرج من ثلاثة حقول هي الدمام والقطيف وبقيق.

كثبان وذهب بقيق
تقع منطقة بقيق على مسافة حوالي 70 كيلومتراً جنوب غربي مقر أرامكو السعودية الرئيس في الظهران، وعلى مسافة 140 كيلومتراً جنوب غربي رأس تنورة، و165 كيلومتراً جنوب الجعيمة، وهما من أكبر فرض شحن الزيت في العالم. وتبعد بقيق 1200 كيلومتر إلى الشرق من فرضة الشحن البحرية في ينبع، التي تقع على الساحل الغربي للمملكة. كذلك تقع بقيق فوق حقل بقيق للزيت، ولا تبعد كثيراً عن حقل الغوار – وهو أكبر حقول الزيت في العالم.
وتختلف بقيق عن كل من الظهران ورأس تنورة والجعيمة، في كونها واقعة في منطقة كثبان رملية عند الحواف الشمالية للمنطقة الصحراوية المعروفة باسم الجافورة، التي تمتد جنوباً إلى الربع الخالي، أكبر منطقة تغطيها الرمال باستمرار في العالم.
وليتسنى لنا فهم الأسباب التي جعلت بقيق تنمو، من مجرد موقع للحفر لتصبح مجمعاً صناعياً ضخماً، يجب أن نتعرف، بصورة عامة، إلى أعمال إنتاج الزيت ومناولته في المملكة العربية السعودية، حيث يلزم وجود عدد كبير من المنشآت الصناعية ومرافق مناولة الزيت ونقله ومعالجته بعد أن يخرج من البئر. كما يحتاج الأمر إلى شبكة متشعبة لتجميع الزيت، تضم آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب من مقاسات متعددة، لنقله إلى مختلف المعامل ومراكز التوزيع.

معامل بقيق الأكبر عالميا
توسعت معامل بقيق عام 1981م لتكون المركز الرئيس لمعالجة الزيت الخام العربي الخفيف والخفيف جداً في أرامكو السعودية. وتضم معامل بقيق أكبر مرافق معالجة الزيت في أرامكو السعودية وأكبر معمل لتركيز الزيت الخام في العالم.
وتتم في معامل بقيق معالجة 70% من إنتاج أرامكو السعودية، أي بطاقة إنتاجية تزيد على 7 ملايين برميل من الزيت الخام يومياً، أو بعبارة أخرى ما مقداره 6% من إجمالي استهلاك العالم اليومي من الطاقة النفطية البالغة 81 مليون برميل في اليوم. وتعمل على إمداد هذه الملايين من براميل الزيت الخام إلى العالم منظومة من المعامل تعمل بشكل متحد ومتكامل لهذا المرفق العملاق. فأحد هذه المعامل يختص بمعالجة الزيت الخام، والآخر لمعالجة الغاز الطبيعي، ومعمل لتوليد الطاقة الكهربائية، وآخر لإنتاج البخار، ومعمل لتحلية المياه، ومعمل لتنقية وضغط الهواء، ومعمل لضخ الزيت.
وتستقبل معامل بقيق ثلاث فئات من الزيت الخام، وهي: العربي الخفيف من حقلي الغوار والحرملية، والعربي الخفيف جداً من حقلي بقيق والشيبة. وفئة تستعمل كلقيم للمصافي مكون من مكثفات الغاز القادمة من معامل الغاز الواقعة في منطقة الأعمال الجنوبية بالنسبة لمركز الشركة الرئيس في الظهران، وذلك ليتم تركيزه ونقله إلى فرض التصدير لشحنه إلى الأسواق العالمية، أو إلى الجبيل وينبع ومعامل التكرير في رأس تنورة والرياض ورابغ وينبع وجدة، لاستعماله كلقيم لمصافيها. كما تنتج المعامل ما يربو على 210 ملايين قدم مكعبة يومياً من الغاز ترسل للمعالجة والاستخلاص في معملي الغاز بشدقم والبري. كما تنتج المعامل 200 ألف برميل من سوائل الغاز الطبيعي، والتي ترسل بدورها إلى معامل التكرير في رأس تنورة والجعيمة.
وتدير هذه المرافق الحيوية والعملاقة أيدٍ سعودية تمتلك كفاءة عالية في التعامل مع أرقى الأنظمة التقنية لمعالجة وترحيل الزيت والغاز. حيث يبلغ عدد العاملين في بقيق اليوم أكثر من ألف موظف، يشكل السعوديون منهم أكثر من 98% .

أحمد المعلم وعبدالعزيز العبدالواحد يديران صماماً يدوياً في معمل الأوعية شبه الكروية للغاز الطبيعي

المخيمات السكنية الأولى لفرق الحفر في حقل بقيق في الأربعينيات من القرن الماضي