منذ اللقطة الأولى في الفيلم وإلى أول ربع ساعة منه وأنت لا ترى سوى الفوضى ، هناك ضجيج وسيارات شرطة ومعتقلون ، ورتم سريع للأحداث التي تجري شأنها شأن الحياة المعاصرة اللاهث حتى لا يتمكن المرء معه من التقاط أنفاسه ، وصوت الممثل خالد صالح وهو أمين شرطة ، ومنذ أول لقطة في أول خمس دقائق يصرخ وهو يضرب المتظاهرين ، ليختزل وضعاً عن الفساد المستشري في أجهزة الدولة ويترجم في عبارات قليلة ما سوف نشاهده في أحداث الفيلم الذي حقق إيرادات تقترب من 10 ملايين جنيه وذلك للمرة الأولى في تاريخ أفلام شاهين الذي يقدره الشارع المصري إلا أنه لا يفهم أفلامه .
فيلم «هي فوضى» للمخرج يوسف شاهين وسيناريو ناصر عبد الرحمن ربما يكون أفضل أفلام مخرجه منذ سنوات لابتعاده عن سينما الرؤية الذاتية التي امتهنها شاهين في سنواته الماضية ولاقترابه من نقد الواقع الحياتي بقسوة ، إذ يكشف عاهات المجتمع الذي نحن جزء من مرضه ، ويقدم موضوعاً ساخناً يرتبط بالمتغيرات التي حدثت في الواقع الاجتماعي في السنوات الأخيرة ، وأدت إلى تفسخ واضح في البنية الاجتماعية والسياسية على كل المستويات .
تدور أحداث الفيلم حول شخصية حاتم (خالد صالح) وهو أمين شرطة يسكن في حي شعبي ، كما أنه الشخصية المحورية ، والذي يحكم هذا الحي بالقمع والتخويف حين يحول مركز الشرطة إلى سجن يسوق إليه كل من لا يلبي له طلباته أو يخالف تعليماته ، ومع ذلك يقول الفيلم انه هو ذاته ضحية للقهر ، إذ يكشف لنا أحد المشاهد المهمة أنه نشأ يتيما واستولى عمه على أرضه، وعاش طفولته متنقلا بين بيوت أقاربه الذين كانوا قساة القلب فأساءوا معاملته ، وظل دائما يشعر بالجوع وأن سلوكه القاسي ما هو إلا نتيجة لعقد مترسبة في باطنه من إحساسه بقبح منظره، وشعوره بالكبت الذي يدفعه إلى ممارسة كل أشكال السلوك المنحرف ، ويصل في إساءة استغلاله للسلطة إلى الحد الأقصى عندما يلجأ إلى بعض «المشايخ» لكي يصنعوا له «حجابا» ليجعل نور تحبه، وكذلك يلجأ إلى عجائز لذات لسبب ، وعندما تفشل هذه المحاولات، يقتحم أيضا كنيسة يطلب من راعيها أن يساعده في صنع تعويذة محبة، وعندما ينهره القس ويطرده يهدده بأعلى صوته : لن تكون هناك احتفالات هذه السنة إلى أن تحب نور حاتم ابن نعيمة ، ويشد أسنانه على نعيمة بصورة تدعو للضحك لأنه يقول بشكل غير مباشر اسم أمه حتى يغير القس رأيه ويعمل له تعويذة المحبة تلك !!
الشخصية الثانية «نور» التي تجاوره في السكن مقيمة مع والدتها بهية (هالة فاخر) التي أراد لها الكاتب والمخرج أن تكون رمزاً للشعب الأصيل الذي قد يضعف في فترات وتلتهمه ظروف الحياة لكن الصلابة والثبات على المبدأ تبقى حقيقته التي تتكشف في الأزمات ، ونور تعمل بالتدريس في مدرسة تديرها الناظرة وداد (هالة صدقي) والدة شريف (يوسف الشريف) وكيل النيابة الذي تحبه نور والمرتبط عاطفياً بفتاة أخرى ويرفض حبها في البداية . يبدأ الفيلم بداية قوية تضعنا مباشرة في قلب فكرة الفوضى ، إذ تنتقل الكاميرا بسلاسة من مشهد إلى آخر، لكنها تتوقف بشكل مبالغ فيه أمام مشهد العاهرات في الحي الشعبي وهن يعرضن أجسادهن من فتحة في جدار لمن يدفع من الشباب ، وهي صورة فاجعة للواقع إذا كان هذا هو الواقع بالفعل ، مشاهد التعذيب في السجن مقنعة جداً ، والحوار عَبَّر عن روح الشارع بشكل جميل للغاية ، لكن الفيلم في نصفه الثاني عانى من الترهل واختلاق مشاهد مصنوعة مثل اختطاف نور والذهاب بها في قارب في النيل إلى منطقة ريفية ، ثم محاولتها الفرار بإلقاء نفسها في النيل ، ثم قيام حاتم بانتشالها وضربها بعنف داخل كوخ حتى تفقد وعيها، ثم اغتصابه لها رغم أنه كشخصية درامية يعجز أمامها عن ارتكاب أي إساءة بل وتأتيه لحظة يفكر بالإقدام على الانتحار فيصوب المسدس إلى وجهه ، لكنه لا يفعل بل يغتصبها ويغادر المكان ، هذا المشهد ومشاهد أخرى جاءت في سياق الفيلم لا تعني سوى تقديم مشاهد ساخنة بشكل مجاني وصادم كنوع من الإثارة المريضة للعبث بعقول الشباب وزيادة إيرادات الفيلم ، أيضاً إقدام حاتم على الانتحار في نهاية الفيلم حين يلتحم الحي ويثور على استبداده ، كذلك ثورة الحي المُفاجئة ذاتها هنا غير واقعية ومثالية إلى حد كبير ، وهذا أدى لإضعاف مفهوم الواقعية التي ابتدأ بها الفيلم . لكن الملفت للانتباه الكاميرا الليلية التي تم تصوير الفيلم بها حتى جاءت الصورة معتمة نوعاً ما إشارة للظلام الذي تحياه الشخصيات التي هي في مجملها رمز لمجتمع بأكمله .
في الجانب التمثيلي لا يمكن ألا يُحس الأداء الرائع للفنان خالد صالح ، الذي تشعر أنه وحش بكل ما تعنيه المفردة في لحظة ثم يتحول لحمل وديع يلمس قلبك وتكاد تحبه في لقطة أخرى يحمل فيه كل معاني الرقة والشفافية ، وهو بالتأكيد ممثل سيتجاوز الكثيرين في المرحلة الراهنة ممن سبقوه ، ويذكرني كثيراً بروح الفنان الراحل أحمد زكي ومدى التصاقه بشخصياته واستشعاره روحها بشفافية تُنسيك الممثل وتُعيشك الشخصية والشخصية فقط . أيضاً الفنانة ذات الحضور الطاغي منة شلبي ، القريبة من القلب والمُقنعة برقة وعفوية هائلة على التعبير بالوجه والعينين ، كذلك قدرتها الخطيرة على استخدام صوتها، والتلون في التعبير من الحب إلى الكراهية ومن الرقة والحزن إلى الغضب ، وأخيراً هالة فاخر قدمت دوراً إنسانياً رائعاً بأبعاده العميقة والمستترة والتي تتفجر في لحظة تشعر أن ابنتها في خطر ، أما الباقون فقد كان أداؤهم جيداً لا يعلو لمرحلة الإبهار ، لكنه ليس سيئاً.