التناقضات الرهيبة تكتنف هذه الحرب الغامضة الاهداف، حتى لتذهل المحللين، ففي الوقت الذي تدعي فيه امريكا انها جاءت لتنقذ الشعب العراقي من ايدي جلاوزة النظام العراقي، تصب نيران اسلحتها (الذكية) على سوق بغداد، واطفال الاكراد وشيوخهم، وهم لم يدخلوا في هذه الحرب اصلا.. وفي الوقت الذي يتهم فيه مسؤول امريكي العراق بأنه اخترق معاهدة جنيف حين اذاع صور الاسرى، يتناسى هذا المتحدث ان امريكا عجزت بكل ضغوطها ان تقنع الانسان في معظم انحاء المعمورة وبشتى دياناته ونوازعه العرقية ان يقبل هذه الحرب الظالمة، حتى خرجت امريكا وحلفاؤها الى الحرب دون غطاء شرعي دولي، وضربت بمجلس الامن ـ الذي طالما خضع لاوامرها ومؤامراتها ـ عرض الحائط.. وفي الوقت الذي تدعي فيه انها جاءت لتنزع الاسلحة ذات الدمار الشامل من يد صدام ونظامه، حتى لايؤذي البشرية!! تلوح هي بأكبر اسلحة الدمار، لتجربها في افغانستان، ثم في العراق الآن، بل ويبدو من خلال حرصها على ايقاف المتابعة الصحفية والفضائية للحرب الا عن طريقها وحدها خلال الفترة القادمة.. انها سوف تستخدم القنابل المحرمة دوليا في اجسام الشعب العراقي المسكين، الذي لايدري ايتلقى الضربة من الداخل ام من الخارج؟! وفي الوقت الذي يتبجح فيه اعلاميو النظام العراقي بالرئيس الملهم، الجاثم على صدر الرافدين منذ عقود والذي اذاقهم مر العذاب، ويروجون لحزب البعث الفاسد معتقدا ومنهجا ومشروعا سياسيا، يطرز الرئيس العراقي علمه بالتكبير، وعباراته بمفردات القرآن الكريم، التي كثيرا ما يتلعثم في قراءتها ويغير ويبدل، ويستخدم المصطلحات الجهادية لاثارة الشعور الديني في نفوس الشعب المغلوب على امره، الذي لايزال يدفع فاتورة الخنوع للظلمة.
وفي الوقت الذي يكره فيه المسلمون النظام العراقي وحزبه الفاسد، ترتفع فيه اكفهم بصدق ان يخزي الله الجيوش الغازية، الطامعة في مقدرات الامة، والمشحونة بحقود الصليبية التاريخية.
وفي الوقت الذي تحرق فيه المدن العراقية، تلوح امريكا بالغذاء والدواء والمساعدات الانسانية..!!
ثم ان مايحدث اليوم على شواطئ الفرات ودجلة من صمود شعبي عظيم امام جحافل الغزاة المستعمرين لايمكن تفسيره بخبرة النظام العراقي وحدها في الحروب، بل ان وراء هذا التجلد الذي لاندري مدى قدرته على الاستمرار دليلا صارخا على ان هذه الامة لايمكن ان تستكين لمستعمر دخيل، مهما كانت تعاني نظامها القائم، وانها سوف تقف مع عدوها الداخلي جنبا الى جنب في وجه عدوها الخارجي، الطامع في خيراتها، مهما كانت وعوده الثعلبية الماكرة، فان الرئيس الامريكي حين احس بعدم قدرته على الحصول على قرار الحرب من مجلس الامن قال حين يتعلق الامر بأمن امريكا الداخلي فانها لاتنتظر الموافقة على قراراتها من احد..!! فالامر اذن لايتعلق بأمن الشعب العراقي ولا أمن جيرانه العرب، وانما هو الامن الامريكي وامن ربيبته اسرائيل فقط، والذي يجب ان يحمى حتى بالضربات الوقائية في المفهوم (الانساني الامريكي).
ولابد ان اشير اخيرا الى ما احس به المسلمون من ان بعض ماجرى للغزاة في العراق من قتل واسر ودمار في الآليات، هو آية من آيات الله البينات في قصم الظلمة، ومن اثر الدعاء في الحروب.
فان تصادم طائرتين للتحالف، وسقوط احدى طائراته بخلل غامض، واصطياد طائرة من بندقية قديمة بيد فلاح كما يصاد العصفور، وتحرك جنود الله من العواصف الرملية، لتكون مصدا طبيعيا يحول دون تقدم الجيوش الغازية، ودون وضوح الرؤية للوصول الى الاهداف المطلوبة، ووقوع اخطاء عديدة واهمها ضرب بطارية الباتريوت بالخطأ، وتفجير احد الامريكان قنابل يدوية في وجوه زملائه، و...، وكثير جدا من هذه الحوادث، ليدل على قيمة هذا السلاح، الذي صرح الامريكان فيما ترجمه بعض الزملاء بتخوفهم الشديد منه.
من يدري.. لعل الاسطورة قد بدأت تمزق اوراقها بكفيها!!