دول اوروبا و مجلس الأمن والعالم كله, من كان معترضا على الحرب او من كان موافقا عليها و معهم من يديرها جميعهم يتجادلون الان في كيفية ادارة الجمهورية العراقية بعد انتهاء الحرب, عدا الجدل الدائر بين وزارتي الدفاع و الخارجية داخل الادارة الامريكية.
الجدل دخل في دائرة التفاصيل الصغيرة, والعمل سار على الورق الآن بدءا من تغطية نفقات اعادة البناء, الى المساعدات الانسانية (غذاء ودواء), الى صناعة البترول (انتاجا وبيعا), الى توزيع الادوار لتلك المهام, اين يبدأ واين ينتهي دور الامم المتحدة و دور الادارة الامريكية والدور الاوروبي خاصة الروسي الفرنسي, بل نوقشت التفاصيل حتى وصلت الى الغطاء القانوني اللازم لبيع البترول, الى امكانيات الامم المتحدة الاشرافية, الى من هم وزراء الحكومة الانتقالية العراقية .. الخ, الخلاصة ان العالم كله خلص الى ان هناك واقعا جديدا فرض نفسه وبدأ بالتعامل معه, اليوم توجد معطيات جديدة على ارض الواقع يبني العالم مواقفه بناء عليها.. مما وضع الانظمة العربية في حرج بالغ لا امام شعوبها فحسب, بل امام العالم ككل, فقد كشف هذا التهميش للدور العربي في مرحلة حاسمة تحدد مستقبل احد اقطارها مدى هشاشة الوضع "المنظومي" للحكومات العربية!
فقدت الدول العربية اي دور خارج نطاقها المحلي, ووجدت نفسها محاصرة بين مطالبات شعوبها بالتدخل بصور دراماتيكية من جهة, وبين واقع لا يسمح لها بتحقيق الحد الادنى من هذه المطالب من جهة اخرى, وبدلا من مواجهة شعوبها بالحقائق و الانفتاح معها حول ما يمكن القيام به وما لا يمكن القيام به من اجل تحقيق تقدم ما على ارض الواقع حتى ولو كان محدودا في مسائل باتت ذات اهمية قصوى يناقشها العالم علنا, تنشغل حكومات العالم العربي باعداد الخطابات وعقد المؤتمرات باذلة جل جهدها في البحث عن المفردات التي ممكن ان تهدئ بها هيجان هذا الشارع واعلان تبرئة الذمة له! وهي بهذا (التخلف) عن اخذ زمام المبادرة تقع من جديد بنفس الخطأ الاستراتيجي الذي اخرجها من اللعبة قبل بدء الحرب, وهاهي تضيع فرصة الاحتفاظ حتى بالدور الثانوي فيما بعد الحرب, حتى وان كان دورا عربيا اشرافيا او على الاقل (شرفيا) يبقي للمنظومة العربية وجودا مهما صغر الا انه يمثل الحد الادنى من المقاومة صحيح انها مقاومة محدودة انما على الاقل هي مقاومة متاحة.
ان كولن باول بدأ يجوب اوروبا من اجل الترتيبات الخاصة بالمرحلة القادمة, ودول اوروبا كلها دون استثناء .. دون استثناء (هل تسمعون؟) بدأت بالفعل تتجاوز مرحلة الاعتراض الى مرحلة المشاركة الفعلية, كل هذا و الحكومات العربية مختبئة تحت اللحاف لا هي قادرة على مواجهة شعوبها بالواقع ولا هي قادرة على لعب دور مازال متاحا الى الآن.
على الحكومات العربية ان تحسم امرها وتواجه شعوبها بحقيقة الامر على الاقل من اجل عمل عربي مشترك في حدود المتاح وانقاذ ما يمكن انقاذه من ماء الوجه, بدلا من الاكتفاء بالتحليق مع الشعارات حتى تقع الواقعة وتنزل على رؤوسنا جميعا.
نحن نمر بمنعطف تاريخي لن تقاس نتائجه الا بعد مرور فترة زمنية طويلة, وحينها سيحكم التاريخ وحده على من كانت لديه الجرأة على الفعل, ومن انساق وراء التيار خوفا من ردة الفعل!!
كاتبة بحرينية