عبدالواحد الانصاري

التقلب مع غابيتو في اراجيحة مذهل رغم انه لا يتم حديثا بدأه

عبدالواحد الانصاري

الاثنين ٣١ / ٠٥ / ٢٠٠٤
1- بدءا مع كارلوس فوينتس والفارو موتيس قرأت مقال كارلوس فوينتس عن مذكرات ماركيز التي صدرها بالعنوان الموفق (عشت لأروي) وطويت المقال على جنب واسررت في نفسي ان افرغ من قراءة المذكرات قبل أي شيء آخر ولا ادري لماذا كنت احمل في نفسي اعتقادا بان المقال كان لالفارو موتيس وليس لكارلوس فوينتس وكثيرا ما حملت ظنونا مريضة مزورة من هذا القبيل عن اشياء واشخاص واصوات وايقاعات ربما لان الفارو موتيس تم تخليده في شهادة فوينتس نفسه وفي اعمال ماركيز بان اهدى اليه احدى اعظم رواياته (الجنرال في متاهة) وربما لان الفارو موتيس كان (ايفجراف جيفاجو) بالنسبة لغابرييل ماركيز او (بالعربية) ابا خفيا لماركيز في عثراته المتعاقبة حتى اهداه طوق النجاة الاخير, بينما لم يكن فوينتس غير صديق وان كان صديقا من المرتبة الاولى وربما لانه يقدر للاشياء التي يتم تحويرها عن طريق الخيال ان تكون اجمل كما توهم صديق لنا ان كازنتزاكيس كان يكره الترك المحتلين ولا يحمل كراهية للاسلام دينا ليحتفظ بجمال وتجلي الذكرى الساحرة التي خلفتها فيه مذكرات كازنتزاكس المذهلة والفريدة "تقرير لغريكو". الكتاب (عشت لاروي) مذكرات كتبت كما تكتب رواية استعاد فيها ماركيز نفسه روائيا بكتابتها اكثر مما استعاد سيرته بتذكر ماضيه واكثر ما اعتقد انه يلفت النظر فيها ان غابرييل كان يهتم بدقائق التفاصيل كما يمكن ان نفترض في الحنين الى الماضي ان يصدق, ولكنه لم يعن باتمام أيا من التفاصيل التي بدأها واعتمد على ان التقلب معه في اراجيحة بينما وشوشاته تجردنا من ذواتنا مذهل ومثمر حقا رغم انه لا يتم حديثا بدأه ابدا فقد اغلق ذاته على الاحداث الحميمية كوقائع زواجه برفيقة دربه ميرثيدس وكاغفاله للحديث عن العمر الذي استغرقه نفيه الاختياري الى اوروبا من حياته. لم تكن مذكرات تعتمد على تسلسل الحدث كمذكرات كازنتزاكيس او كاعترافات جان جاك روسو وانما كانت مشدودة بحبل طويل بين حادثتين لم يتمم الحديث عن أي منهما: - 1 - بدأ الكتاب حينما جاءته امه في مكتبة المدينة ليساعدها في بيع بيت الجد واراكاتاكا الزيارة المنطوية على الكثير من المكايدات البائتة خلال مشوار السفينة الرهيب وقطع القطار لاثار شركة الموز الدامية لتقنع ابنها باتمام دراسة الحقوق ابنها غابرييل الذي قرر باستماتة ان يكون كاتبا والا يتم دراسته شريطة امر واحد الا يتسبب ذلك في موت ابيه كمدا. هكذا ومنذ اللحظة الاولى تهبط بنا افاق الرؤية الماضوية لماركيز لتعود بنا في مشوار اخر الى واقعيته الغريبة ليهمس في اذاننا بهدوء وانما بايمان لا يضاهي بان واقعيته لم تكن سوى حياته وحياته لم تكن سوى واقعيته. ذكرى مشوار محاولة بيع بيت الاسرة توالت كافتتاحيات فلاش باك لعدة فصول في بدايات استرجاع الذكريات والبيت لم يتم بيعه ولم يفصح ماركيز عما ال اليه شأن ذلك المنطلق الاول لكاتب تتقاسمه قسوة لقمةالعيش مع هاجسه الابداعي والمنتهي الاخير لاسرة كبيرة ذات امجاد ذاوية انتهت على اعتاب ذاك البيت ويا ترى يا ترى هل هي مقاطع غرائبية من روايته الاولى (رواية البيت التي لم تنشر قط) وانه انعش بها ذاكرته الماضوية وراض بها القلم ريثما يجري الريق في مجراه اخذا بحكمة انك ما ان تستغرق في الرقص حتى تنسى التفكير في ادائه؟ لقد اشار ماركيز الى شيء من هذا القبيل في الجزء الثاني من الكتاب. - 2 - انتهى الكتاب نهاية مدوية عندما تلقى غابيتو بعد الشهر الاول من وجوده في اوروبا من مرثيدس جواب الرسالة المبهم الذي لم يبح بما يتضمنه ولكنه باح برسالته التي ارسلها الى مرثيدس ان لم اتلق جوابا على رسالتي اليك فسأبقى في اوروبا الى الابد. اكتفى ماركيز بالاشارة الطفيفة عرضا الى علاقته بمرثيدس عبر اربعة مقاطع قصيرة عندما رآها لاول مرة ووافقت على الرقص معه وبعدها التقته مصطحبة صبيا مازحة مزاحا كاذبا انه ابني وكأنها تذكره بعرضه الزواج منها ثم خطته التي لم تحظ بالتنفيذ بان يخطفها من مدرستها التي كانت رهينة فيها واخيرا عندما وقفت في ثوبها الاخضر بشعرها الحريري الذي يشبه تكوين عصفور مبهم لا يدري هل وقفت من اجله ام لا قبل رحيله الى اوروبا. شيكسبير الواقعية الغريبة وكولمبيا كان ماركيز عظيما في فنه وبمفردات هذا الفن توغل في استذكار حياته وكانت انسانيته المتدفقة والاثار التي خلفتها فيه بضع عشرة حربا اهلية والف ازمة تكفي أي واحدة منها لبلبلة نفس حساسة كل هذه شحذت فيه رؤيته التي انبثقت عن الواقع الغريب الاليم السحري ليستطيع تصوير كولمبيا لا يمكن لانسان ان يتصور ان العيش فيها ممكن هذه رسالته التي استطعت استقاءها من فنه واكدها (عشت لاروي) فقد سخر كل طاقاته في زخ اشعاعات غرائبية في نكبات اسرته خصوصا ممزوجة بتفاصيل الواقع المزري للشارع والقرية والبيت والمناخ الذي يبدأ بقتل الصبر اولا والبيئة الكولمبية ككل ولم يخرج عن هذا الايقاع البالغ الخصوصية الا في النادر الذي لا يكاد يلحظ. الاب يتوارى او يكاد في حضور الجد فيما يقارب ثلثي السفر الاول من الكتاب تعلق ماركيز بسيرة جده لامه ماركيز الذي استمسك بالتلقب باسمه عوضا عن لقب ابيه الذي لم يترك له مساحة الا الاسم الاوسط هذا التعلق بسيرة الجد اقتطع جزءا غير يسير من كتابه ذلك انه لم ير في حياة ابيه صورة ملحمية وكان تذكره لحياة جده لامه التي لم يعش الا اقلها هو لحنه الذي يحن به الى المجد المفقود لاسرة اصبحت كادحة, فيما كان يعتبر بنوته لابيه وحدها ظله الذي يجعله يعود الى ذكرياتهما احيانا وربما لو لم يكن لامه تلك الوصلة التي ترفعها الى رجل مثل ابيها جده الماركيز لما كان لها كل ذلك الزخم المعشي للابصار ولما احيطت شهاداته عليها بهالة من الكرامات السحرية التي ظلت تنز منها. ماركيز يؤرخ لنفسه صحافيا تاريخ مسيرة ماركيز صحافيا لا يقل ابهارا عن تاريخه روائيا بل إن تتويجه اديب رواية كان تتويجا منقوصا كما تشي بذلك اشاراته الملحة الى ماضيه الصحافي فالصحافة في نظره (افضل مهنة في العالم) وشهد بان الجوائز العالمية حتى نوبل ليست سوى مسرحيات اجتماعية حافلة بايماءات اكاديمية معتمدة لاشهار بعض الشخصيات المغمورة اجتماعيا اللهم الا فيما ندر وعليه فماركيز يحمل في جعبته اسفا مضمرا لان الرواية هي التي قدمته للعالم حتى كصحافي وهي المهنة التي عندما تحدث عن مزاولته لها حرص ان تكون شهاداته فيها على نفسه شهادات مشرفة وحرص ان يؤرخ انه كان صحافيا فذا ونموذجيا وذائع الصيت الامر المغاير تماما لشهاداته على رواياته فقد جاءت باهتة وحافلة بالتشكيك في عظمة الاعمال العظيمة وهو السلوك الذي يبدأ يسيطر على العظماء عندما يصبح ذيوع صيتهم مألوفا جدا لهم. وقد كان هذا الشعور مسيطرا على غابيتو وحول الثلث الاخير من مذكراته الى توثيق انتصاراته الصحفية انما بمنتهى التوازن والتواضع في الوقت نفسه كانسان يتحدث بنعمة الهية. ولعل السبب في هذا الاصرار ان اسلوب ماركيز السردي في كتابة الريبورتاج الصحافي لم يكن مغايرا لاسلوب الرواية الا في قليل من المكونات وقد قرأت له سلسلته الصحفية المشهورة والذائعة الصيت قصة بحار فقد سفيته وهي حكاية لمأساة غرق سفينة نجا احد بحارتها بعد عشرة ايام من التيه في البحر بلا زاد وكان اللقاء الصحافي محكيا بلسان المتكلم والقارئ لهذا اللقاء الصحافي لا يستطيع ان يميز فوارق كبيرة بينه وبين روايات ماركيز بل انه يجد فيه ظلالا منعكسة انعكاسا حادا عن رواية العجوز والبحر في نقاط عديدة كالقتال حتى تكسر المجاديف والى اخر رمق مع اسماك القرش على سمكة اصطادها البحار وكان ترتيب ماركيز للفلاش باك في هذا اللقاء الصحافي متطابقا تطابقا مذهلا مع ترتيبه للفلاشات في اعماله القصصية ناهيك عن ان اسلوب ماركيز الروائي لم يتزحزح مقدار انملة في احد اجمل اعمال ماركيز الصحافية (لم تجر الاشارة اليه في المذكرات) هو مهمة سرية في التشيلي وهي قصة المخرج الاخباري التشيلي الذي عاد الى بلده بعد عشرة اعوام من النفي ليسجل برنامجا تلفزيونيا طويلا عن الدكتاتورية في بلاده. ان ماركيز انسان شفاف لا يستطيع ان يتخلى عن شيء من تاريخ عنفوانه الادبي تبعا لتصنيفات الشهرة بل انه تخلى عن تاريخ أي من الاحداث التي شهدت اقتطافه لثمارمشواره الابداعي من خلال الاشادات والجوائز التي لا تحصى واكتفى بتاريخ بدايات نجاحه الروائي عبر رواية ساعة النحس ومجموعته القصصية المعنونة ب(بعد السبت) وهو يعي تماما وان لم يصرح انه متوحد الاسلوب في جميع نصوصه التي لا يفرق بينها الا الفرق بين الواقع والخيال وكلها مشحونة ببصمته وحتى مذكراته ليست الا كأي رواية من رواياته وهو شخصية رافضة كل الرفض لاي نوع من انواع التباهي السافر او الموارب معترف بالجميل لكل شخص تناول معه شرابا او اجرى معه محادثة وقد تذرع بمشقة تذكر اسماء اطفال ومراهقين واماكن لا حضور لها في ضمير أي متذكر مفترض ولم يكن لها ان تكون ذا بال الا في واقعية غريبة صادقة كواقعيته من خلالها يرى حياته وبها ينعكس الضوء عن الاشياء الى عينيه فلا يمكن ان تكون تجربته الصحافية في نظره اقل قدرا من أي تجربة كتابية خاضها وهي تعبق بنفس الرائحة. واذا ما نشرنا الاوراق المبتلة المتلاصقة وتركناها لتجف في الشمس وتتفاصل فان القيمة الكبرى لادب ماركيز تتمحور في افقه السردي وفي نظرته البالغة الخصوصية الى تراكمات الاشياء الغريبة المنسية لتتكون منها حيوات ملحمية غاية البساطة في تلاؤمها وانه لم يكن تأثيره محدودا في ادارة الحوارات بين الشخصيات الا لأن عالمه المرئي والمسموع كان عالم اشياء واوصافا غريبة تتكون منها ملاحم خالدة اكثر من أي تقنيات قص اخرى ولان جميع نصوصه النثرية حافلة بعبق هذه الرائحة التي يختص بها لذلك لم يتخل عن ان يجر معه تجاربه النثرية ليخلدها في روايته مذكراته الاخيرة التي استخدم فيها عنوانه الحاد الذكاء والذي يشي بتواطئه مع هذا المعنى عشت لأروي. شهادات كارلوس فوينتس: نور على نور المميز في شهادات كارلوس فوينتس على ماركيز ليس جمال روح الصداقة والالفة الاخوية فاكثر من ذلك وحدة القدرة على الاستمرار في جعل الادب هو العلكة والسيجارة والكعكة. خرج لنا فوينتس بذكريات خاصة بالكاتب العالمي ماركيز ومرر ايدينا على جزء من الفرو لم تمسسه ايدينا من خلال مذكراته ماركيز واجمل من ذلك انه اخرج لنا من معطف ماركيز عصافير حية ومتألقة لنزداد اطمئنانا اليها ونزداد بمعرفتها نورا على نور وقبل حين كما يعلم كثير من اصدقاء الحرف لم اكن اعرف عن ميلان كونديرا ما يكفي بل كنت شديد التردد في الاقدام على قراءة روايتيه السياسيتين (الحياة في مكان اخر والمزحة) وتجربة خروج الادباء من معاطف ادباء آخرين هي تجربة لايستهان بها وهي خالدة ابد الدنيا وربما خرج ماركيز من معطف كونديرا الى قارئ يعرف الاخير اكثر من معرفته لماركيز وبورخيس ونيرودا كما خرج لنا باسترناك من معطف طه حسين وطاغور من معطف سيد قطب في كتاب النقد الأدبي والاجمل من ذلك خروج ايميل زولا الينا من قميص الدكتور محمد غنيمي هلال في كتاب النقد الادبي الحديث وقبل ذلك خرج الينا افلاطون من معاطف تجاربنا مع ابجديات تاريخ الادب الاولى. الختام عودة الى جزئية من مقال كارلوس فوينتس وجميل ان تسجل شهادات لتضامن الساسة مع الادباء المبدعين كقصة السفير والرئيس اللذين انشغلا عن التحاور في علاقات بلديهما بالتذاكر الادبي وكما قرظ فيدل كاسترو مذكرات ماركيز وكما ورد في مقال فوينتس عن علاقة الرئيس الفرنسي ميترا بالادب والادباء الا انني لا ادري ان كان ماركيز وكونديرا قد اطلعا على تاريخ ميتران الدموي في الجزائر في زمن الاستعمار الاسود لبلد المليون شهيد ولا ادري ان كان الاديبان الشهيران يحتفيان بصداقة ميترا فيما هما يتوجعان سطرا اثر سطر في المزحة وفي خريف البطريق وفي الحياة في مكان اخر وفي عشت لأروي من ممارسات الديكتاتوريات الداخلية في بلديهما ماذا عن القمع الدموي الذي يمارسه المحتل في بلد بريء يعود بعده احد جزاري هذه المأساة ليكون جزءا من تاريخ المجد الانساني لعظيمين خلدت مواقفهما الانسانية والابداعية مآثرهما كما حدث مع ماركيز في موقفه من قضية فلسطين ام ان مثل هذه الاسئلة تعد اسئلة نوعية مشحونة بعقدة الاضطهاد ولا يحق لنا تكدير خواطر عظماء الادب بها؟
كارلوس فوينتس

غابرييل غارسيا ماركيز
المزيد من المقالات
x