كان الحجاج المسلمون يلاقون صعوبات كبيرة اثناء تأديتهم فريضة الحج بسبب طول المسافة حيث كان طريق الحج العراقي يقترب من 1300 كم, وتستغرق الرحلة فيه شهرا كاملا. اما طريق الحج المصري فيبلغ من سيناء 1540 كم ويستغرق اربعين يوما ويزيد خمسة ايام من طريق عيذاب. وطريق الحج الشامي يمتد 1302 كم, وتستغرق الرحلة فيه اربعين يوما. اما حجاج المناطق النائية من العالم الاسلامي فكانت رحلتهم تستغرق 16 شهرا واكثر. وهو ما جعل بعض الاغنياء يتقاعسون عن اداء الحج, نظرا لطول المسافة ومشاق السفر وندرة المياه وغارات قطاع الطرق وقتلهم لبعض الحجاج وسلب اموالهم.

البواعث.. والدعم
ويعد خط سكة حديد الحجاز من العهد العثماني من الناحية السياسية والدينية والحضارية اذ استطاع هذا المشروع الذي امتد العمل فيه ثماني سنوات متتالية أن يقدم خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام, تمثلت في اختصار وقت هذه الرحلة الشاقة التي كانت تستغرق شهورا, يتعرضون فيها لمخاطر ومشاق الصحراء وغارات قطاع الطرق, فاضحت الرحلة بعد انشاء هذا الخط الحديدي الذي بلغ طوله 1320 كم تستغرق اياما معدودة ينعم فيها المسافر بالراحة والامان.
تكاد تنحصر اهداف انشاء الخط الحجازي في هدفين اساسيين مترابطين اولهما: خدمة الحجاج بايجاد وسيلة سفر عصرية يتوفر فيها الامن والسرعة والراحة. اما الهدف الثاني: فدعم حركة الجامعة الاسلامية التي كانت تهدف الى تكتيل جميع المسلمين وتوحيد صفوفهم خلف الخلافة العثمانية لمواجهة الاطماع الاوروبية في العالم الاسلامي, وفي انحاء العالم الاسلامي عاش المسلمون حلم انشاء الخط الحجازي, وتابعوا مراحل انشائه, وتبرعوا له من اموالهم وغطت هذه التبرعات ثلث تكاليفه وتخيل الكثيرون ان البعث والصحوة بين المسلمين اقترب زمانها, وتجلت هذه المشاعر الفياضة في حماسةالعمل وسرعة انجازه, وعندما وصل اول قطار الى المدينة المنورة حاملا الحجاج انهمرت الدموع وانهالت الدعوات للسلطان عبدالحميد.

التمويل والتنفيذ
عندما واجهت المشروع صعوبات تمويلية تمثلت في ضخامة تكلفته التي قدرت بنحو 5ر3 ملايين ليرة عثمانية ووجه نداء الى العالم الاسلامي للتبرع للمشروع. ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم وانهالت التبرعات, وكان اتساع نطاق هذه التبرعات مظهرا عمليا لحركة الجامعة الاسلامية, ولم تقتصر تبرعات واعانات المسلمين على الفترات التي استغرقها بناء الخط فحسب, بل استمر دفعها بعد وصوله الى المدينة المنورة املا في استكمال مده الى مكة المكرمة.
وتعد تكلفة الخط الحجازي ـ فقد بلغ مجموع تكاليفه بما في ذلك القطارات والعربات وسائر المباني على طول الخط - حوالي اربعة ملايين و283 الف ليرة عثمانية.
وتتبع الخط الحجازي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج, واحتفل ببدء المشروع في جمادى الآخر 1318هـ - سبتمبر 1900م وابتدأ العمل في منطقة المزيريب من اعمال حواران ببلاد الشام, ثم قررت الحكومة العثمانية ايصال الخط الحجازي الى دمشق, لذلك قررت انشاء خط درعا - دمشق, وباشرت العمل من دمشق ومزيريب في وقت واحد وعهدت الى مهندسين المان بانشاء الخط لكنها لم تسمح الا للمهندسين المسلمين بالعمل في مد الخط في المنطقة الواقعة بين العلا والمدينة المنورة.
صادف تنفيذ المشروع عقبات كثيرة من اهمها نقص المياه وامكن التغلب عليها بحفر آبار وادارتها بمضخات بخارية او طواحين هواء وجلبت المياه في صهاريج تسيرعلى اجزاء الخط التي فرغ من مدها.
ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات استخدمت قوات من الجيش العثماني بلغ عددها زهاء ستة الاف جندي ومائتي مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة. كذلك كانت السيول الجارفة احدى العقبات التي شكلت خطورة كبيرة وحقيقية على الخط الحجازي في مرحلتي البناء والتشغيل لذلك قام المهندسون بانشاء مصارف للسيول على طول الخط الرئيسي.
كما امكن على المعوقات الطبيعية المتمثلة في الرمال المتحركة والسيول وكذلك مشكلة الوقود فتم استيراد الفحم من الخارج واقيمت مستودعات ضخمة لتخزينه.

التدشين ونتائج الخط
وصل اول قطار الى المدينة المنورة في 22 رجب 1326هـ 23 اغسطس 1908م واقيم الاحتفال الرسمي لافتتاح الخط وكان قد امر بانشائه في 1 محرم 1318هـ.
اسدى الخط الحجازي خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام حيث استطاع حجاج الشام والاناضول قطع المسافة من دمشق الى المدينة المنورة في خمسة ايام فقط بدلا من اربعين يوما, مع العلم ان الوقت الذي كان يستغرقه القطار هو 72 ساعة فقط, اما بقية الايام الخمسة فكانت تضيع في وقوف القطار في المحطات وتغيير القاطرات.
كما اسهم الخط الحجازي في نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط, ومنها مدينة حيفا التي تحولت الى ميناء ومدينة تجارية هامة وكذلك المدينة المنورة كذلك ظهرت مجتمعات عمرانية نتيجة استقرار بعض القبائل والتجمعات البدوية على جانبي الخط في بعض الجهات واشتغالهم بالزراعة.
ومن مظاهر حركة العمران التي صاحبت انشاء الخط اضاءة المدينة المنورة بالكهرباء لاول مرة, حيث ابتدأت انارة الحرم النبوي الشريف يوم افتتاح سكة الحديد وتم جعل المدينة المنورة محافظة مستقلة مرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية العثمانية.
الى جانب توطيد سلطة الدولة في بعض المناطق الثائرة ضد الدولة العثمانية كما وفرت حماية قوية للاماكن المقدسة في مكة والمدينة.

تخريبه.. محاولات تشغيل
ظلت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة ما يقرب من 9 سنوات نقلت خلالها التجار والحجاج, وعندما نشبت الحرب العالمية الاولى ظهرت اهمية الخط وخطورته العسكرية على الدول الاستعمارية واسهامه في مقاومة الغزاة.
وقد بذلت عدة محاولات لاعادة الحياة لهذا الخط الحجازي, وشكلت لجان وعقدت اجتماعات وصدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثلاثة التي يمر بها لكن لم تظهر اية بوادر واقعية لتشغيله.