"الكتاتيب" صرح علمي بارز جذبت أبناء الخليج للأحساء

"الكتاتيب" صرح علمي بارز جذبت أبناء الخليج للأحساء

الخميس ٥ / ٠٩ / ٢٠٠٢
الأحساء منطقة غنية بالتراث الديني والفكري والثقافي والأدبي والاجتماعي، لها تاريخها العريق وتراثها الواسع، إلا أنه ما زالت هناك ثغرات كبيرة في العديد من الجوانب، التي هي بحاجة إلى البحث والتدوين والتسجيل، ولعل أكثرها لم يتطرق إليها بعد أو لم يتم تناولها، ويعد التعليم التقليدي أو ما يعرف بـ (الكتاتيب) أو (المطوّع) من أهمها، إذ أن معظم من تناولوا التعليم التقليدي في الأحساء كانوا مختصرين وضمن كتب تتناول الحياة الأحسائية بشكل عام، مع إغفال العديد من جوانب التعليم في الكتاتيب. لعل هذا ما دفع المؤلف محمد بن علي الحرز الى التوجه نحو الكتابة عن الكتاتيب في الأحساء والتي أخذت في التلاشي مع تأسيس أول مدرسة حديثة رسمية في مدينة الهفوف سنة 1356هـ وبدأ الناس في نسيان معالم تلك الدراسة وما قدمه معلموها من خدمة جليلة للمجتمع أسهمت في رفع مستواه العلمي والثقافي، يرصد محمد علي الحرز في كتابه التعليم التقليدي في الأحساء، تاريخ ونشأة المطوع والذي استطاع من خلاله أن يدون أكثر من 400 مطوع ومطوعة عملوا في مهنة تعليم وتحفيظ وتجويد القرآن الكريم وتعليم القراءة والكتابة والحساب، منذ أكثر من 100 عاما، يسرنا أن نتحاور مع المؤلف محمد بن علي الحرز، للتعرف على (المطوع) ونشأته وتاريخه ورجاله ونسائه. الشعور بالوطنية @ لماذا وقع اختيارك على البحث والرصد لتاريخ (المطوع) بالخصوص؟ ـ التعليم التقليدي الذي يعرف بــ (المطوع) هو جزء من تراث هذه المنطقة، وهو بالتالي جزء من تاريخ هذا البلاد الكبير، فمن واجب كل إنسان شعر بوطنيته أن يحافظ على تراثه وتاريخه من الزوال والاندثار، خاصة ونحن نرى أن كثيراً من تاريخنا قد ذهب طي النسيان بسبب الإهمال وتكاسل الباحثين عن طرقه، كما أني وجدت في إحياء (المطوع) بعثا للروح القرآنية التي عرفت بها بلادنا في عصر من العصور وشبابنا اليوم هو أبعد ما يكون عن القرآن. @ ما الصعوبات والعقبات التي واجهتك خلال البحث في هذا الموضوع؟ ـ لا يوجد بحث في أي موضوع من الموضوعات إلا ويتخلله بعض الصعوبات، إلا أن العقبات تعد دافعاً للباحث لشحذ همته إذا كان مؤمناً بما يكتب وأهم الصعوبات التي واجهتني هي : جهل الكثيرين بأهمية مثل هذه المواضيع التراثية بل ان البعض يعتبرها نوعاً من الترف الفكري وبالتالي عدم تعاونهم في البحث، كذلك المساحة الواسعة التي تتمتع بها الأحساء وكثرة قراها وتعدد مدنها مما يعد أمراً عسيراً أن يحيط الشخص بها، أيضا وفاة الكثير ممن عاشوا هذه الحقبة الزمنية مما تسبب في ضياع الكثير من معالم تلك الدراسة، وأخيراً قلة المصادر التي تتناول مثل هذا الموضوع بشكل مفصل مما يعني استقاء معظم المعلومات من شفاه الناس، حيث اعتمدت في البحث على المعلومات من خلال المقابلات الشخصية مع الكثير من الأفراد في المدن والقرى، وقد رصدت أسماء من قاموا بمهنة (المطوع) منذ العام 1290هـ حتى العام 1390هـ، ويصل عددهم خلال هذه الفترة 408 مطوعين ومطوعات. نشأة (المطوع) @ ومن خلال بحثك، نسألك متى نشأ (المطوع) في الأحساء؟ ـ يعتبر المطوع من أقدم المؤسسات التعليمية في منطقة الأحساء حيث يرجع تاريخها إلى العصور الإسلامية الأولى عندما كان المسجد يقوم بجميع المهام الدينية والعلمية في المجتمع حيث يستقي الطلاب علومهم من الحلقات العلمية والدراسية التي يديرها العلماء ومعلمو الكتّاب في بيوتهم، وهذا ليس حصراً على منطقة الأحساء وحدها وإنما في جميع الحواضر العلمية التي كانت الأحساء واحدة منها ولكن وللأسف الشديد لعدم التدوين ضاعت جميع تلك المعالم الهامة في تاريخ المنطقة ولعل أقدم مدرسة رصدتها المصادر التاريخية تعود إلى الزمن العثماني في الأحساء وذلك أنه أقدم تاريخ يوجد لأول مدرسة من هذا النوع إلى القرن العاشر الهجري سنة 982هـ، فقد خصص الوالي العثماني علي باشا بن لاوند البريكي قاعة خاصة لتعلم القرآن وتحفيظه ملحقة بجامع القبة وقد أجرى للمعلم الذي يقوم بهذه المهمة ستة دراهم عثمانية. ولا تعطينا المصادر الشيء الكثير عن معالم الحركة العلمية خلال الحكم العثماني إلا النزر القليل الذي لا يكشف بالطبع عن حقيقة الأمر بشكل جلي، وإنما يعطينا صورة مموهة عن معالم تلك الحقبة، ولعل أبرزها ما ذكره الألوسي في تاريخ نجد وهو "أن الأحساء كانت تضم 20 مدرسة لتعليم الصبيان حفظ القرآن والقراءات والتجويد، بجانب بعض العلوم العصرية كالحساب، وفيها 30 مدرسة أخرى كانت تدرس العلوم العربية والدينية". وبالطبع قد لا تعتبر هذه النسبة تشكل نسبة دقيقة عما كان يدور في المنطقة من حركة تعليمية واسعة وإن كانت تكشف عن بعض معالم تلك الحركة وشدة بروزها، وذلك بسبب الاتساع الكبير الذي تتميز به الأحساء، وصعوبة تقصي المعلومات من أماكنها الصحيحة هذا إذ أخذنا بالاعتبار أن الألوسي لم يكن من أبناء المنطقة بالتالي هو يجهل مراكز القوة فيها. المواد الدراسية @ ما المواد الدراسية التي كانت تدرس في المطوع؟ ـ المواد التي يتم تدريسها تتركز في ثلاث مواد أساسية تدرس على 3 مراحل متسلسلة وهي قراءة القرآن الكريم حفظاً و تجويداً، وهي تمثل الدرس الأولي الذي يتعلمه الطالب عند أول التحاقه بالكتّاب والمقدمة للدخول في تعلم الكتابة والمادة الثانية هي تعلم القراءة والكتابة بعد أن يتقن الطالب القراءة للقرآن الكريم ينتقل إلى هذه المرحلة حيث يتعلم أصول الكتابة والخط العربي وقواعد الإملاء عند معلمه أو معلم آخر يقوم بتدريسها،أما المادة الثالثة فهي أوليات في الحساب، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل التعليم في الكتّاب وهي ما يعرف بدراسة (الهندي)، وفيها يأخذ الطالب أساليب الجمع والطرح والتي يتأهل الطالب بها للتخرج من الكتاب وشق طريقه في الحي. @ وهل كان جميع الأولاد يتعلمون عند (المطوع)؟ ـ الالتحاق "بالمطوع" لم يكن متاحاً لجميع الأشخاص و إنما هو مقتصر على الميسورين مادياً ومن لم يكن آباؤهم في حاجة إليهم وذلك على أن تتراوح أعمارهم بين سن الخامسة و الخامسة عشرة غالباً، وكان المقر المخصص للتدريس عادة هو منزل "المطوع" أو "المطوعة" الذي يفرد غرفة لهذا الغرض وأحياناً إن وجد المعلم شدة الإقبال عليه فإنه يقوم باستئجار منزل خاص للتعليم فقط حيث يصل عدد الطلاب في كتّاب واحد إلى أكثر من 50 طالباً. @ وهل كان لــ (المطوع) أيام دراسية معينة؟ ـ ليس للدراسة في الكتاتيب أيام معينة فهي تمتد طوال أيام الأسبوع وقد يتوقف البعض عصر الخميس و يوم الجمعة، وهي مستمرة على مدار السنة ماعدا أيام الأعياد والمناسبات الدينية فإنه يعطى الطلاب إجازة لمدة 3 أيام. @ وهل كان التدريس يقتصر في فترة الصباح فقط؟ ـ في الأغلب يكون على فترتين،الفترة الصباحية وتبدأ من بزوغ الشمس إلى ما قبل صلاة الظهر بقليل، والفترة المسائية والبدء فيها من بعد صلاة العصر إلى حين الغروب قبل صلاة المغرب، وقد يلتحق بعض الطلاب بالفترة الصباحية فقط وذلك بسبب بعد مقر الدراسة عن منزله أو عمل الصبي مع والده في الفترة المسائية وذلك لصعوبة الحياة المعيشية وشدتها ولكون الفقر هو الطابع العام بين الناس، وفي بعض الكتاتيب، هناك من يضيف فترة ثالثة، وهي الفترة المخصصة لكبار السن من الشباب أو الكهول ممن لهم رغبة في التعليم على غرار محو الأمية الموجودة اليوم لمن فاتهم قطار التعليم في طفولتهم، حيث تبدأ دراستهم بعد صلاة العشاء وتستمر لمدة ساعة أو ساعتين. بين المرأة والرجل @ نعرف أن المرأة أيضا كانت تقوم بتعليم القرآن الكريم، هل يوجد اختلاف في تعليم (المطوع) عن (المطوعة)؟ ـ من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف بين تعليم المرأة وتعليم الرجل، لوجود الطبيعة المحافظة والمتدينة لأبناء الجزيرة العربية، والأحساء جزء منها، وذلك فرض على عملية التعليم في الكتاتيب نوعا من القيود الاحترازية على ضرورة الفصل بين الذكور والإناث، وذلك من باب الحرص والحيطة من وقوع مالا تحمد عقباه من الاختلاط بين الجنسين، والتزاماً بالشرع الحنيف من ضرورة التفريق بينهما، ومن هنا كان الاختلاف بين تعليم المطوع والمطوعة، يوجد في جنس الطلاب، وهو أن جنس الطلاب عند المطوع من الذكور فقط، إذ لا يسمح العرف الديني ولا الاجتماعي للفتيات بالالتحاق بهذا النوع من الكتاتيب، نعم قد يتجاوز في بعض الأحيان عن هذه القاعدة إذا كان المطوع مكفوف البصر وكبير في السن،أما المطوعة فإن التلاميذ فيها من الجنسين الذكور والإناث وذلك يستمر إلى أن يبلغ الصبي سن التاسعة حيث يتم تخرجه أو نقله إلى المطوع، كذلك الاختلاف في المواد الدراسية، فالمطوع يعطي تلاميذه القران الكريم قراءةً وتجويداً وتعليم الكتابة إضافة إلى شيء من الحساب المعروف بالهندي، أما المطوعة فإن تعليمها مقتصر على قراءة القرآن الكريم حفظا وتجويداً، وتعليم الكتابة نادراً جداً فيها، وقد يضاف إليها تعليم قراءة بعض الكتب الدينية أو ما يعرف (بالسواد). @ ما المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها (المطوع) عند التلاميذ؟ ـ يحتل (المطوع) أو (المطوعة) مكانة مرموقة في نفوس التلاميذ وهي تشكل مزيجا من الاحترام والرهبة النابعين من النظرة الاجتماعية للمعلم في الكتاتيب التي ألقت على (المطوع) أو (المطوعة) صبغة القسوة والشدة في التعامل بحيث غدت شخصيته مهابة لدرجة ألا يستطيع أحد مناقشته أو مخالفته في أوامره في معظم الأحيان، وكلمته مهابة بينهم، بل وحتى على الصعيد الاجتماعي فإن (المطوع) أو (المطوعة) شخصيه محترمة ومقدمة على غيرها من الناس لما يقوم به من خدمات جليلة من تعليم أبنائهم أو قراءة وكتابة رسائلهم بل ويرجعون إلى رأيه في كثير من شؤونهم و مشاكلهم الخاصة وذلك لما يتميز به المعلم عادة من رجاحة عقل وقدرة على وزن الأمور، هذا ناهيك أن قسما من معلمي الكتاتيب هم من رواد المجتمع، وأعلامه البارزين. الموارد المالية لـ (المطوع) @ وماذا عن الميزانية أو الموارد المالية للمطوع و المطوعة؟ ـ يعتبر المطوع شخصاً متفرغاً لمهنته ليس له موارد مالية أخرى لما يتطلبه عمله من توجه تام ومتابعة مستمرة لذا ليس من حرج في أخذ المساعدات المالية من أولياء الأمور في مناسبات مختلفة بعضها يأخذ صفة إلزامية والبعض الآخر لا يأخذ الصفة الإلزامية وإنما يعتمد على ولي أمر الطالب نفسه وهي تحمل مسميات عديدة، مع ملاحظة أنه ليس بالضرورة أنه ما يعطى في كتّاب قد يعطى في كتّاب آخر إذ قد تختلف المناسبات من كتّاب لغيره، كما أنها تعتمد على المستوى المادي لأولياء أمور الطلاب، ومن هذه المساعدات، القعودة (بتشديد العين)، وهو الأجر الذي يدفعه الطالب لدخول الكتّاب وتتراوح بين النصف و الريال الواحد، الفتح وهي هدية يقدمها التلميذ للمطوع عندما يختم الطالب كلا من سورة الفجر أو جزء عم أو تبارك أو الرحمن أو يس أو الإسراء أو المائدة أو البقرة، ومقدارها ريال واحد إضافة إلى هدية عينية ككيلو من السكر أو الشاي أو الرز، فتح النصف وهي لمن بلغ في قراءته منتصف القرآن الكريم عند آية "فَلَمّاَ جَاوَزا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدء لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبا " الكهف آية 62.ورسمها أن يحضر الطالب للمطوع في اليوم التالي طعام الغداء، النافلة وهي عبارة عن هدية تدفع للمطوع في المناسبات الدينية كذكرى الإسراء والمعراج ويوم النصف من شعبان والنصف من شهر رمضان وهي غير محددة، العيدية وتعطى للمطوع في الأيام الأولى من عيد الفطر وعيد الأضحى وهي غير محددة أيضاً كل حسب إمكانياته واستطاعته المادية، الإكرامية وهي تختص بمواسم الرطب والتمر، حيث يرسل والد الطالب إلى المطوع شيئا منهما، الخميسية (الحطّوطة) وهي عبارة عن إحضار الصبية كل خميس هدية قد تكون نقدا أو تمراً أو رزاً أو حليباً أو خبزاً، الختمة وهي رسم من ختم ابنه القرآن وهي غير محددة بمقدار معين من المال وإنما يدفع كلٌ على حسب استطاعته، أما البنت فإن كانت ميسورة الحال فهي كالصبي وإلا يُـنتظر إلى حين زواجها فيأخذ من جزء من مهرها ويسمى (قطوعة). @ وهل كانت الكتاتيب تأخذ شكلا واحداً في طريقة التدريس وفي المواد الدراسية؟ ـ هناك اختلاف كبير بين (مطوع) وآخر، ففي مدارس الكتاتيب الموجودة في الأحساء أواخر القرن الثالث عشر الهجري وأوائل القرن الرابع عشر الهجري كانت لا تتجاوز الأربعة أصناف، يعتمد كل صنف على المقدرة العلمية للمعلم ومجال تخصصه وهي حسب التالي: الأول مطوع خاص بتعليم الطلاب قراءة القرآن الكريم حفظاً و تجويداً وهي تشكل الغالبية العظمى من الكتاتيب كما أنها تضم جميع النساء اللاتي شاركن في عملية التعليم، الثاني مطوع خاصة بتعليم القراءة والكتابة وهي تشكل نسبة ضئيلة من المجموع الكلي وذلك لأن معظم من يقوم بتدريس الكتابة فانه يعلم معها أسلوب القراءة للقرآن الكريم باعتبارها مقدمة للكتابة، الثالث وهو المطوع الذي يجمع فيه المطوع بين قراءة القرآن ومبادئ القراءة والكتابة وهي تأتي في المرتبة الثانية بعد تعليم القرآن الكريم، الرابع وهو المستوى العالي من التعليم الذي يجمع فيه المطوع بين قراءة القران ومبادئ القراءة والكتابة وأوليات في الحساب وهذا خاص بالمشهورين منهم والبارزين. مدارس المطوع @ وهل تحولت بعض (الكتاتيب) إلى ما يشبه المدرسة؟ وما أشهر هذه المدارس؟ ـ نشأت في الأحساء العديد من الكتاتيب التي كانت أشبه بالمدرسة بالمعنى الحديث يشارك في إدارتها أكثر من معلم من ذوي تخصصات مختلفة في التدريس، أو جميعهم في تخصص واحد ولكن على نطاق واسع، أو قد يكون معلما واحدا فقط ولكنه يمتلك سمعة كبيرة في مجال التعليم لتميزه كثيراً عن غيره. وتمتاز هذه المدارس بشدة الإقبال عليها من مختلف المناطق لشهرة معلميها وإجادتهم وإليك قسم من هذه المدارس، مدرسة البوخمسين وكان مقرها في حي الفوارس، وقد عرفت بشدة الإقبال عليها من مختلف أنحاء المنطقة لشهرة معلمها الحاج طاهر بن عبد المحسن بوخمسين الذي يعطي دروس القرآن الكريم و القراءة والكتابة والحساب، مدرسة المرزوق، وكان مقرها في محلة الكوت ثم انتقلت إلى الرفعة الشمالية بعد تغير سكن معلميها وقد بلغ تعداد طلابها في أوقات عزها الخمسين طالباً الأمر الذي اضطرهم إلى استئجار منزل خاص من أجل التعليم، مدرسة العامر، ومكانها بحي الفوارس في الجهة الجنوبية من حي الرفعة بمدينة الهفوف، مدرسة آل مبارك أسسها الشيخ عبد اللطيف بن عبد العزيز آل مبارك في حي الرفعة من مدينة الهفوف، وهو من المعلمين البارزين، والذين يكثر إقبال الطلاب عليهم مما دفعه إلى استئجار مبنى مستقل من أجل التعليم وكان ذلك في حدود سنة 1355هـ، وتعتبر مدرسته من المدارس الشاملة التي تعطي دروساً في القرآن الكريم والكتابة والخط والحساب، مدرسة ابن عديل ويقع هذا المطوع في الطرف الشرقي من حي النعاثل من مدينة الهفوف، وكان يقوم بالتعليم فيه كل من الأخوين ناصر و عبد اللطيف العديل وذلك في حدود سنة 1360هـ، مدرسة الموسوي وهي المدرسة الأولى في مدينة المبرز من حيث عدد الطلاب والإقبال عليها وكان موقعها حي العيوني وقد خرجت أجيالاً من الطلاب، ومعلمها هو السيد ياسين بن السيد حسين الموسوي وتشمل مدرسته دروس القرآن الكريم و الكتابة والحساب، ولعل أكثر ما يميز هذه المدرسة عن غيرها هو شهاداتها المعتمدة التي تعتبر رسمية من قبل الدولة يحصل الحائز عليها على وظيفة في السلك الحكومي أو على ترقية وظيفية، مما حفز الكثيرين نحو الدراسة فيها والمواصلة رغم تقدمهم في السن، وكانت الدراسة فيها على فترتين،الأولى نهارية، وهي مخصصة للطلاب الصغار ودراستهم خلال الفترة الصباحية وما بعد صلاة العصر إلى قبل الغروب، الثانية مسائية وهي مختصة بالكبار وتبدأ بعد صلاة العشاء وكانت أشبه بمحو الأمية حيث يتعلم فيها الكبار في السن ممن يطمحون في التعليم للعلم ذاته أو لتحسين وضعهم الوظيفي لدى الدولة، مدرسة العبد الله ومقرها في قرية العمران الشمالية وهي متخصصة في تعليم القرآن الكريم حفظاً وتجويداً والكتابة أسسها وقام بالتدريس فيها الأخوة الثلاثة علي و محمد وأحمد العبد الله وقد عرفت بالإقبال عليها، مدرسة البجحان، وهي المدرسة التي أسستها آمنة عبد الله عيسى البجحان التي بدأت تعليمها في موطنها قرية الشقيق وذلك في العقد السادس من هذا القرن في منزل زوجها السابق إبراهيم حسن الخليفة وكانت مهتمة بتعليم القرآن، ثم انتقلت مدرستها إلى قرية المطيرفي مع زوجها الثاني حيث برزت وذاع صيتها مما دفعها إلى الاستعانة بزوجها أحمد إبراهيم الخليفة الذي كف بصره وكان متقنا لقراءة القرآن، وبقريبتها بتلاء موسى علي البجحان، وقد استمرت المدرسة إلى قبل وفاتها بسبع سنين وذلك بسبب مرض عضال ألم بها ودام معها إلى حين وفاتها في 7/1/1981م. 408 مطوعين ومطوعات @ وما أهم النتائج التي خرجت بها من هذا البحث؟ ـ إن الذين استطعنا حصر أسمائهم ممن عملوا في مجال التعليم في المطوع بمقاطعة الأحساء، هم بالطبع لا يشكلون الجميع إذ خفي عنا الكثير من الأسماء بسبب الفارق الزمني بيننا وبينهم، ووفاة عدد كبير من كبار السن الذين عاصروا تلك المرحلة من الزمن، وبسبب الاتساع الأفقي الذي تتمتع به محافظة مترامية الأطراف كالأحساء أدى إلى عدم تمكننا من جمع كل ما فيها إلا أننا نستطيع أن نستخلص أعداد الكتّاب في كل مدينة أو قرية، مدينة الهفوف 151، موزعة بين الكوت 37، الرفعة 77، النعاثل 28، الفاضلية 3، الصالحية 4، الرقيقة 2. أما في مدينة المبرز فقد وصل المجموع 81 مطوعا ومطوعة، موزعة بين السياسب 29، الشَّعَبة 30، العتبان 3، العيوني 19. أما بالنسبة للقرى، في قرية البطالية 7، بني معن 5، التويثير 5، الجبيل 9، الجشة 3، الجفر 7، الحليلة 30، الدالوة 1، السباط 5، الشعبة 5، الشقيق 3، الطرف 21. وفي مدينة العمران 25، موزعة بين العمران الشمالية 5، العمران الجنوبية ـ الحوطة 7، الرميلة 13، مدينة العيون 4، الفضول 13، القارة 9، القرين 7، المركز 6، المطيرفي 8، المنيزلة 2. وبهذا يكون المجموع الكلي للكتاتيب في محافظة الأحساء في أواخر القرن الثالث عشر هجري وأوائل القرن الرابع عشر 408 مطوعين ومطوعات، وهم ينقسمون حسب مجال تدريسهم، الى معلمي القرآن الكريم حفظاً وتجويداً 309، معلمي القراءة والكتابة فقط 7، معلمي القرآن الكريم والكتابة 67، معلمي القرآن الكريم والقراءة والكتابة والحساب 25، ويتضح من خلال البحث أن عدد المعلمين الرجال 214، وعدد المعلمات النساء 194، وهذا يدل على أنه كان للنساء دور بارز في تفعيل سير عجلة التعليم والحركة العلمية في المنطقة، إلى جانب الرجال، حيث بلغ عدد الكتاتيب منهن 194، أي بنسبة 47.5% من المجموع الكلي، وهذه ليست بالنسبة الضئيلة، وإنما تنم عن مستوى الوعي الذي كانت تحمله المرأة الأحسائية ابان تلك الحقبة من الزمن، التي كان الجهل يشكل الطابع العام بين فئات المجتمع بسبب الفقر وعدم تسني التعليم للجميع. أثر (المطوع) في الثقافة @ ما أثر وجود (الكتاتيب) على تاريخ وسكان الأحساء، وهل أكسبها ذلك مزايا خاصة عن غيرها من المناطق العلمية القريبة منها آنذاك؟ ـ من خلال البحث والاستنتاج وجدت الحركة العلمية في الأحساء التي تمثلت في وجود (الكتاتيب) ان الأحساء كانت تمتلك تاريخها وتراثها الخاص في مجال التعليم من حيث الأسلوب، والمنهج، والمصطلحات التعليمية، والاحتفاء بالختمة، وطريقة التحميدة وغيرها الأمر الذي ميزها وجعلها صرحاً علمياً بارزاً، رغم وجود تأثير متبادل بين جميع أجزاء المنطقة كالقطيف، البحرين، الكويت والإمارات العربية المتحدة، بسبب الاتصال التاريخي والثقافي والاجتماعي بينها، كذلك (الكتاتيب) ومن ثم مدارس المطوع جذبت الكثير من أبناء دول الخليج لتعلم العلوم الدينية وتلقي المعرفة في هذه المدارس، فتخرج منهم العلماء والقضاة والأدباء، كما أن وجود الكتاتيب ووفرتها في المنطقة أسهم في نمو التلاحم وازدياده بين سكان المنطقة والتفاعل فيما بينهم حيث كانت المعرفة الخيط الرفيع الذي ربط الناس بعضهم ببعض في صورة شبكة متحدة لا تفصل بينهم عوائق طبقية أو عقدية أو قبلية، وإنما الكل يستظل تحت كنف العلم والمعرفة ويرتشف من رحيقه،إذ كانت الكتاتيب أحد وسائل كسب علاقات جديدة من شتى فئات المجتمع بمختلف تشعباتها بحكم المجاورة والزمالة في الدرس التي تستغرق معظم النهار يومياً، كما أنها أسهمت في بناء جيل من الشباب ذي كفاءة علمية إذ أن شخصية المتعلم مميزة عن غيرها حيث كانت تحظى باهتمام الجميع وتقديرهم، وذلك لما يتمتع به المتعلم في الغالب من ثقافة واسعة ورجاحة عقل بالإضافة إلى كونه مربياً لأبنائهم. @ كلمة أخيرة في نهاية هذا الحوار. ـ في نهاية هذا الحوار لا يفوتني أن اشكر كل من ساعدني وأمدني بالمعلومة، التي كان لها الأثر في إتمام هذا البحث وإخراجه في شكل كتاب، وأخص بالشكر المهندس عبدالله الشايب الذي أعطاني الكثير من وقته في مراجعة هذا البحث وكذلك طباعة الكتاب على نفقته الخاصة.