قصة كفاح حقيقية

قصة كفاح حقيقية

الثلاثاء ١٩ / ٠٩ / ٢٠١٧
كنت أشاهد برنامج أوبرا وينفري Oprah Winfrey الشهير والذي في مجمله مفيد، حيث ناقش مشاكل كثيرة منها الاجتماعية التي قد يمر بها الإنسان في أي مجتمع بما في ذلك المجتمعات العربية المسلمة. استضافت أوبرا مشاهير من حين لآخر من الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. وقد استضافت أوبرا رجلا أمريكيا من أصول أفريقية لأن حياته كانت مثيرة ومميزة، حيث تمازجت فيها السعادة بالحزن والإحباط بالأمل. وكانت قد استضافت في نفس الحلقة الممثل ويل سميث وابنه وابنته، وذلك لما لسميث وابنه وابنته من علاقة بالفيلم الذي كانت قصته تدور حول ضيفها اللاحق السيد كريس قاردنر Chris Gardner الذي ظهر في برنامج أوبرا مع ابنه Christopher الذي شاركه معاناة التشرد والجوع والفقر عندما كانا بلا مأوى وطعام ثم أصبحا بعد التشرد والوهن والفقر من أصحاب الثراء والمجد والشهرة في الولايات المتحدة الامريكية عندما عاد إليهما الأمل ودفعهما الطموح للخروج من الفقر إلى النجاح والتميز والثراء. لقد كان ضيف أوبرا السيد كريس قاردنر ذلك الرجل الذي عاش ردحا طويلا من حياته بلا مأوى ولا قوت، فقد افترش الأرصفة في شوارع سان فرانسيسكو وغيرها من المدن الأمريكية متنقلا بينها بحثا عن ما يقدمه له المارة من نقود وطعام وشراب. عندما رأيت المقابلة مع السيد كريس عادت بي الذاكرة إلى عام 1982م عندما كنت مع بعض الزملاء المبتعثين في رحلة سياحية إلى سان فرانسيسكو. أتذكر رجلا أسود وبجانبه طفل صغير يبلغ من العمر حوالي 5 سنوات، حيث مد يده لطلب المساعدة لشراء وجبة غداء له ولطفله من مطعم مكدونالدز للوجبات السريعة الذي يقع على الشارع الذي يقضي فيه وقتا طويلا لطلب المساعدة من الناس، حيث قدمت له ما استطعت وكانت ردة فعله على مساعدتي بصوت ضعيف منهك «فليحفظك الرب». لقد كانت ملامحه في اللقاء واضحة ولم تتغير تقاطيع وجهه كثيرا. لقد سألته عن أحواله وأسباب تشرده والنوم على قارعة الطريق؛ للتأكد من أن مساعدتي له لسبب صحيح وليس لشراء المخدرات، حيث كانت الدقائق التي تحدثت معه خلالها كافية لمعرفة أنه ليس من متعاطي المخدرات. تحدث السيد قاردنر عن مدينتي ويسكنسون وشيكاغو وشوقه للعودة إليهما بالرغم من طفولته الحزينة التي عاشها مشردا هناك. أكد اللقاء مع أوبرا أن السيد كريس هو ذلك الشخص الذي افترش شوارع سان فرانسيسكو. الحقيقة أن ويل سميث وابنه أجادا أداء دور المشردين السيد كريس وابنه كريستوفر في الفيلم المنقول عن كتاب أنجزه السيد كريس والذي يحكي قصة حياتهما في شوارع سان فرانسيسكو وغيرها من المدن الأمريكية بعدما سرد حياتهما بشكل مثير يجعل القارئ يعيش كل لحظة في حياتهما من خلال الفيلم المثير. السيد كريس قاردنر معروف ومشهور في الولايات المتحدة وأوروبا لأنه عاش حياة فقيرة صعبة تحول بعدها إلى رجل أعمال ناجح وثري ومميز بالرغم من تاريخه مع الفقر الشديد إلى درجة أنه وابنه كانا لا يذوقان الطعام لأيام. لقد عاش مشردا من غير منزل يؤويه أو سقف يقيه من الظروف الجوية في الصيف والشتاء. قضى قسطا من حياته مع ابنه كريستوفر الصغير الذي تملأ وجهه البراءة والفقر والجوع والخوف من كل شيء. لم أتوقع يوما أن السيد كريس سيصبح من أنجح وأغنى الناس في العالم، حيث وفقه الله في فرصة عمل لم تتح لغيره، وأصبح بعدها معتمدا على مهاراته ليدخل استثمارا أحبه وأخلص العمل فيه ليدر عليه المال الذي جعله من الأثرياء المميزين في العالم. لم يكن السيد كريس أنانيا، بل بذل الكثير من ماله في الأعمال الخيرية، فقد ساعد الكثير من الطلاب والطالبات الأمريكيين من أصول عرقية أفريقية للتعلم والعمل. الحقيقة أن الفيلم الذي مثله ويل سميث وابنه يحكي قصة حياة السيد كريس وابنه كريستوفر بدقة وشمولية ليؤكد لنا السيد كريس أن الإنسان يستطيع أن يكون ما يأمل أن يكون ويحقق ذاته عندما تتوفر فيه الدوافع الداخلية والمدفوعة بالأمل مهما كان فقره والظروف الصعبة المحيطة به. تحدث السيد كريس قاردنر عن حياته السابقة والحاضرة بفخر من غير شعور بالعيب والانكسار والضعف؛ لأن الأمل والطموح يحفزان الإنسان ليحقق ذاته ويغير حياته إلى الأفضل، من الفقر إلى الغنى ومن الحزن إلى السعادة والفخر بما حققه. كان شعور السيد كريس حقيقيا نحو الذين ساعدهم بالرغم من أنه لا يعرفهم ولا تربطه بهم علاقة أسرية أو صداقة. ولعلنا من هذه القصة الحقيقية نستفيد الكثير في ما يتعلق بالأمل والطموح وتحقيق الذات والتبرع للأعمال الخيرية والافتخار بماضينا مهما كان صعباً وعدم اليأس من رحمة الله وتوفيقه، فقد كان السيد كريس يقول في اللقاء التلفزيوني إنه بالرغم من فقره لم ييأس على الإطلاق؛ لأن قوته الروحية الداخلية كانت أقوى من التحديات. ومن ما شد انتباهي في قصة السيد كريس قاردنر أن جميع العبر والدروس المستفادة نجدها في ديننا الإسلامي الذي يحثنا على عدم اليأس وعدم القنوط من رحمة الله والسعي في العمل التطوعي والتكافل الاجتماعي والصبر، إلا أننا نرى الكثير من الشباب المسلم يصابون بخيبة الأمل والاحباط عند أقل جهد وعمل لتحقيق طموحاتهم؛ لأنهم غير صبورين على مواجهة التحديات. ألا يجدر بنا أن نكون مكافحين وصبورين لنصل إلى غاياتنا وطموحاتنا!!