وشاية المستثمرين.. !

وشاية المستثمرين.. !

الخميس ١٣ / ١٠ / ٢٠١٦
تتواصل أخبار التعديات على الأراضي العامة، وتتواصل معها أخبار استعادتها بفضل جهود الجهات المختصة، ولكن هذه المرة بفضل «وشاية مستثمرين». حيث نشر بصحيفة عكاظ خبر حسم محافظ جدة الأمير مشعل بن ماجد، مصير إغلاق شوارع عامة اعتدى عليها رجل أعمال شهير منذ أكثر من 35 عاما وحولها إلى مجمع تجاري شمال جدة، موجها بإعادة فتح الشوارع وإمهال المحلات التجارية أسبوعا لإغلاقها. تفاصيل القضية ترجع لأكثر من عام «ديسمبر 2015 م»، عندما استبقت أمانة جدة تحقيقات تجريها للتحقق من صحة تورط رجل أعمال شهير في الاعتداء على ممتلكات عامة كانت مخصصة مواقف للسيارات ومنطقة للألعاب، وقررت وقتها إغلاق السوق التجارية الشهيرة لحين البت في قضية الاعتداء التي تم كشفها إثر وشاية مستثمري المحلات ضد رجل الأعمال بعدما قرر رفع قيمة الإيجارات عليهم، وأكدوا في شكواهم أن الموقع المستأجر عبارة عن شوارع عامة معتدى عليها منذ أكثر من ثلاثة عقود. وكانت الأمانة قد بدأت منذ بداية القضية في مراجعة الخرائط والكروكيات ليتضح بعدها صحة الادعاءات. وبعد أكثر من عام من المد والجزر جاء الحسم من محافظ جدة، حيث وزعت الأمانة أخيرا إشعارات على المحلات التجارية تبلغهم بتوجيه المحافظ بفتح الشوارع المعتدى عليها، وسرعة إغلاق محلاتهم في غضون أسبوع. وأكدت الأمانة في إشعاراتها أن للبلدية الحق في اتخاذ كافة الإجراءات النظامية وتطبيق أقصى العقوبات حيال المخالفين دون أدنى مسؤولية. بعد ذلك نشر في صحيفة الوطن خبر حددت فيه أمانة جدة قيمة الغرامات المستحقة على هذه الأراضي منذ ثلاثة عقود بنحو 547 مليون ريال، معللة تلك الغرامات بضم الشارعين ضمن مساحة السوق الإجمالية. وأكد مصدر في الأمانة للصحيفة، أن إجمالي مساحة الشارعين تتجاوز 1824مترا مربعا، وأن لائحة العقوبات والمخالفات التابعة لوزارة الشؤون البلدية والقروية تفرض رسوم إيجار سنوي للمتر المربع يصل إلى 10 آلاف ريال، مما يعني أن مخالفة السنة الواحدة للسوق الشعبي تصل إلى 18 مليونا و240 ألف ريال، وأن إجمالي مخالفات الـ30 عاما الماضية 547 مليونا و200 ألف ريال. وقبل خبر تعدي رجل الأعمال الشهير على ممتلكات عامة كانت مخصصة مواقف للسيارات ومنطقة للألعاب، تابعنا تعديات مختلفة على أراض حكومية كانت مخصصة لمشاريع تنموية ومساجد ومدارس وحدائق. وكنت قد طرحت تلك القضية في مقالات سابقة منها: «تحريض لصوص الأراضي»، و«استعادة أراضي المساجد»، و«التخلص من الحديقة»، و«التخطيط يكسب القضية»، و«المحكمة والتخطيط العمراني»، «نزاهة والتخطيط العمراني»، و«تعزير المتعدين»، وقد عرضت في تلك المقالات قضايا التعديات التي تم نشرها بصحفنا المحلية وطرقها المستخدمة ومواجهتها من الجهات المختصة وأهمية التثقيف بعلم تخطيط استعمالات الأراضي في منظومة التخطيط الحضري والإقليمي لعلاج قضية التعديات لضمان حفظ الحقوق والموارد لتحقيق أهداف التنمية المتوازنة والمستدامة. إن قضية التعديات على الأراضي المخصصة للخدمات العامة من القضايا المهمة والخطيرة كون أثرها لا يرتبط بالنواحي الاقتصادية وحساب التكلفة للمساحات المتعدى عليها وتكلفة المتر وعدد السنين وجمعها والوصول الى الإجمالي المالي فقط، بل يتعدى ذلك الى آثار عمرانية بأبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية وإدارية وأمنية تبرز معها أهمية مراجعة وتقييم وتقويم الاستراتيجيات والمخططات العمرانية بشكل مستمر، والتثقيف بتخطيط استعمالات الأراضي والحاجة لكل استخدام في المدن والقرى لتلبية حاجات السكان ولترابط النسيج العمراني في إطار تخطيط عمراني يواجه معوقات التخطيط كضعف القدرات لإعداد المخططات العمرانية وعدم وجود فريق التخطيط المتكامل، وعدم وجود نظام للتخطيط يحدد الالتزامات للمشاركين بمراحل التخطيط وكذلك المشاركة في مراحل التخطيط، ويضمن استدامة التنمية بالمدن والقرى. وحيث إننا نبدأ في تنفيذ رؤية المملكة 2030 ومراحل التحول الوطني، وقد عشنا جميعا روح الشفافية والوضوح التي عرض فيها صاحب السمو الملكي ولي ولي العهد والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان، تفاصيل الرؤية، فإن تلك المخالفات لم يعد لها مكان في المملكة. ومن جديد تبرز أهمية التثقيف بضرورة شفافية تخطيط استعمالات الأراضي بمنظومة التخطيط الحضري والإقليمي، وأهمية مراقبة التنفيذ بدقة عالية تحقيقا للرؤية التنموية الطموحة للمملكة 2030. وأخيرا وليس آخرا عرضت في مقالات سابقة الطرق العجيبة التي يستخدمها المتعدون على الأراضي العامة، إلا أنني وجدت في وشاية المستثمرين تلك عجب العجاب. وهنا تبرز أهمية التثقيف بسياسات التخطيط لاستعمالات الأراضي بمنظومة التخطيط الحضري والإقليمي كونها تحوي الحقوق والواجبات في مراحل تنمية الإنسان والمكان لتحقيق رؤية المملكة 2030.