مكافحة الفساد

مكافحة الفساد

الاحد ٢٩ / ٠٥ / ٢٠١٦
استضافت لندن في يوم الخميس 12 مايو 2016م قمة مكافحة الفساد العالمي، وتعتبر بريطانيا من أفضل الدول في مكافحة الفساد، ولكن مع ذلك فهي تحارب الفساد حول العالم إدراكا منها أن انتشار الفساد في العالم سيؤثر بطريقة غير مباشرة على اقتصادها واقتصاديات الدول المتقدمة، لأن الفاسدين سيحاولون الدخول في اقتصاديات الدول الأوروبية بمسميات مختلفة مثل مستثمرين أجانب أو طالبين للهجرة، ولهذا شدد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على أنهم سيزيدون الرقابة على جميع الأموال المهاجرة وسيسنون تشريعات تحد من عملية غسيل الأموال داخل بريطانيا. ويعتبر الفساد داء يفتك باقتصاديات العالم بدرجات متفاوتة، فقد ذكر صندوق النقد الدولي أن تكلفة الفساد المباشرة تقدر بحوالي تريليوني دولار سنويا أو ما يعادل 2% من الناتج الإجمالي العالمي. كما ذكر الصندوق أن التكاليف الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة أكبر بكثير من الأرقام المعلنة طبعا جل هذه المبالغ تأتي من الدول الأكثر فسادا. كما ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستينا لاغارد أن الفساد يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو وزيادة عدم المساواة في الدخل وتقويض الثقة في الحكومات. ولو ألقينا نظرة على تقرير منظمة الشفافية العالمية المهتمة في مكافحة الفساد لعام 2015م نجد أن الدول ذات الدخل الفردي المرتفع هي في أول السلم للدول الأقل فسادا في العالم والعكس صحيح لهذه النظرية. فقد جاءت الدنمارك في المرتبة الأولى للدول الأقل فسادا تليها فنلندا والسويد وهولندا والنرويج وكلها دول من شمال أوروبا وهذا يوضح أن محاربة الفساد تجلب زيادة الدخل وتحارب الفقر والجهل والبطالة، وتحافظ على مبدأ العدالة الاجتماعية، في المقابل نرى أن الدول التي تقع في آخر السلم في ترتيب الفساد وهي الصومال في المركز الأخير وأفغانستان في المرتبة 166، والسودان وانغولا في المرتبة 165، وليبيا والعراق في المرتبة 161، وسوريا واليمن في المرتبة 154، وإيران في المرتبة 130، ولبنان في المرتبة 128، نجد ان هذه الدول ينتشر فيها الظلم والجريمة والبطالة والجهل والتخلف والفقر. فقد ذكر التقرير أن انغولا على سبيل المثال يعيش 70% من سكانها بمبلغ أقل من دولارين في اليوم ويموت طفل من كل 6 أطفال قبل بلوغ سن خمس سنوات ويقدر حوالي 150 ألف طفل يموتون سنويا بسبب الجوع او الأمراض المنتشرة وعدم وجود الرعاية الصحية اللازمة. كما يذكر التقرير أن بعض الدول العربية مثل مصر والمغرب وتونس تراجعت قليلا في معايير الشفافية وزاد الفساد فيها، وقللت من مراقبة الفاسدين وانشغلت في محاربة الإرهاب الذي استفاد منه الفاسدون بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال. أما الأردن والسعودية والكويت فقد جاء ترتيبها كالتالي 45، 48، 55. ولكن الحقيقة لا يمكن الاعتماد على منظمة الشفافية لقياس الفساد في دول الخليج، حيث إن تقارير المنظمة تركز على التهرب الضريبي كواحد من أهم معاييرالقياس للفساد. كما نعلم أن دول الخليج لا تطبق القوانين الضريبية فالفساد الموجود في الدول الخليجية غالبا ما يكون في المحسوبيات والهدر المالي ورداءة تنفيذ المشاريع. ولهذا على دول الخليج خصوصا في ظل أسعار النفط الحالية والعجز الكبير الحاصل في ميزانياتها أن تشدد أكثر على الهدر المالي وأن تقدر الأولوية في تنفيذ المشاريع مع المحاسبة والرقابة الشديدة. كنت أتمنى أن تستضيف دول الخليج هذه القمة وأن توجه الدعوة إلى الهيئات الدولية المختصة في مكافحة الفساد وأن تستضيف المسؤولين في الدول الأقل فسادا للاستفادة من تجارب تلك الدول وكيف وصلت إلى هذه الدرجة العالية في مكافحة الفساد وأن نستورد منهم المعايير التي يطبقونها في دولهم وأن نستفيد من تجاربهم لوصول دول الخليج إلى قمة الدول الأقل فسادا في العالم.