الوقت حان لأن تعيد «أرامكو» النظر في إستراتيجياتها التسويقية

الوقت حان لأن تعيد «أرامكو» النظر في إستراتيجياتها التسويقية

الاحد ٢٤ / ٠٤ / ٢٠١٦
لقد نشر كثير من صحف الإعلام الغربي مؤخرا عن تراجع حصص أرامكو السعودية في أسواق النفط، ولعل أبرزه ما نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية في 28 من شهر مارس المنصرم عن حصص «أرامكو السعودية» التي تراجعت في أسواق النفط العالمية.. وأنها تخسر حصتها السوقية في أسواق النفط بشكل تدريجي، حيث إن حصة «أرامكو السعودية»، من سوق النفط العالمية، قد بلغت نحو( 8.5%) سنة 2013، فيما تراجعت هذه الحصة سنة 2015 إلى (8.1%) في كل من أمريكا، والصين، وكوريا الجنوبية، وتايلند وتايوان، وجنوب أفريقيا، وغرب أوروبا. والجدير بالملاحظة أن أبرز صور هذا التراجع وأكثرها غرابة هو: ذلك الهبوط الذي حصل في حصة «أرامكو السعودية» من السوق الصينية، والتي تعد أحد الأسواق الرئيسة، خلال الفترة نفسها، أي ما بين عامي (2013 و2015) من (19%) إلى (15%)، في حين تراجعت حصتها في سوق النفط الخام الأمريكي من (17%) إلى (14%). بينما وقع أكبر تراجع لـ«أرامكو السعودية» في أسواق النفط، في جنوب أفريقيا، حيث انخفضت حصتها السوقية هناك من (53%) إلى (22%)، وذلك في غضون السنوات الثلاث الماضية. ولعل من الإنصاف هنا أن نذكر أن هناك عاملا مهما يضاف إلى ما سبق من إخفاق فريق التسويق، وهو المنافسة الشديدة من نفطي نيجيريا وأنغولا، والتي تعود بدورها إلى الجدوى الاقتصادية؛ لكون جنوب أفريقيا أقرب إلى ساحل غرب أفريقيا. وقد نعلم أيضا أن سبب تراجع حصة النفط السعودي في أمريكا هو: الفائض من المعروض، وثورة النفط غير التقليدي (الصخري) في أمريكا، ولكن كنت أتمنى أن تصرح «أرامكو السعودية» بهذه المعلومات والأرقام.. فخير لنا أن نسمع من القريب بدلا من أن نسمع من البعيد، كما أن الشفافية في معلومات النفط كأهم منتج في المملكة من حق كل مواطن سعودي والتي ينشرها الإعلام الغربي بشكل مستمر! وعند وجود المنافسة، أو أية صعوبات في التسويق، فكان الأجدر أن نعرف حجم هذه الصعوبات، وأن نعرف جهود «أرامكو السعودية» في التعامل معها والتغلب عليها، من مواجهة المتوقع من التخمة في المعروض، من مثل ما سيتزامن مع عودة النفط الإيراني بقوة إلى أسواق النفط، خاصة بعد رفع الحظر عنها. ولربما أرجع مسئولو تسويق النفط الخام في «أرامكو السعودية» أسباب انخفاض الحصة في السوق الصيني إلى احتدام المنافسة مع النفط الروسي، وخاصة القادم من روسيا عبر خط أنابيب سيبيريا اسبو (ESPO)، ولكن أين هي إستراتيجياتهم في تسويق النفط، والتي تعتبر أساسيات بديهية عند التسويق في وقت الأزمات. هذا بالنسبة للمنافسة مع روسيا، وفي أثناء بحثي أكثر على خلفية هذه المعلومات، علني أجد ما أدافع به عن شركتنا الوطنية للنفط «أرامكو السعودية» فاجأني ما ورد في بيانات المكتب الوطني للإحصاءات في الصين، والإدارة العامة للجمارك، والذي تزامن بصورة مباشرة مع رفع الحظرعن إيران في شهر (يوليو 2015م)، وبعد ذلك بشهر، أي في شهر أغسطس مباشرة ارتفعت واردات الصين من النفط الإيراني بـ(192 ألف برميل) يوميا، بينما انخفضت وارداتها من المملكة العربية السعودية في ذلك الشهر نفسه كما هو موضح في (الشكل رقم 1). فهل يوجد خط أنابيب أيضا للنفط بين إيران والصين؟! لكي نلتمس لكم العذر يا سادة يا كرام مسئولي تسويق النفط الخام في هذا الكيان العملاق. وفي الشهر الذي يليه، أي شهر سبتمبر (2015م) انخفضت واردات الصين من نفط المملكة العربية السعودية إلى (966 ألف برميل يوميا) مقارنة بـ (1.157 مليون برميل يوميا) قبل عام، أي في سبتمبر من عام (2014م)، وهو انخفاض كبير يقدر بـ(192 ألف برميل) أو(17%) من حصة نفط المملكة العربية السعودية المصدر إلى ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم. فهل يعقل أن يكون ارتفاع صادرات إيران من النفط إلى الصين بنفس القدر الذي تنخفض فيه صادرات المملكة العربية السعودية إلى الصين؟!!! وليس هذا فحسب بل نرى أيضا أن صادرات إيران في ازدياد مستمر إلى الصين، واليابان، وكوريا، والهند حيث زادت في شهر فبراير عن الشهر الذي قبله (شكل رقم 2)...!! ومما فاجأني عند البحث والمقارنة أيضا ما رأيت من أن واردات كوريا الجنوبية من النفط الإيراني قد ارتفعت في شهر فبراير بنسبة (35%) عن الشهر الذي قبله، كما أوضحت بيانات شركة النفط الوطنية الكورية...كيف يقع ذلك ونحن أكبر المصدرين لشركات المصافي الأربع الرئيسة في كوريا الجنوبية؟! وبالنظر إلى بيانات شركة النفط الوطنية الكورية (شكل رقم 3) والتي تبين إجمالي واردات كوريا الجنوبية من الدول المصدرة للبترول.. سبحان الله.. نجد أن واردات كوريا الجنوبية من نفط «أرامكو السعودية» قد نقصت بـ (50 ألف برميل يوميا)، بينما زادت وارداتها من النفط الإيراني في نفس الشهر بـ(138ألف برميل يوميا) أي ما يعادل ثلاثة أضعاف النقص من المملكة. وها هي إيران تبرم عقود تصدير النفط الخام مع عدة مصافي تكرير في السوق الأوروبية، وتدعي أنه بحلول مارس 2017 فإنها تستطيع تصدير (4 ملايين برميل يوميا)..فماذا أعددتم لذلك اليوم؟!. وأين هي جهود مسئولي تسويق النفط الخام في «أرامكو السعودية» في مواجهة احتدام المنافسة القادم من النفط الإيراني التي تعدى إنتاجها في شهر مارس المنصرم (3.15 مليون برميل يوميا) وهو الأعلى من عام (2012)...؟! كل العالم، ووسائل الإعلام الغربي، تنشر هذه الإحصائيات، وتجري المقارنات بين هذه الأرقام، إلا أن «أرامكو السعودية» التي واكبت كل التطورات التكنولوجية، ما زالت في حقبة متأخرة تبرز بجلاء في عدم الشفافية، والتكتم الإعلامي...!! وهنا لا بد أن أذكركم أنه في العقد الماضي مر تسويق النفط الخام في «أرامكو السعودية» بما أصفه بالعصر الذهبي للتسويق، وأترك لكم الخيار في الرجوع إلى إنجازات تلك الحقبة الذهبية، التي استطاع قادة التسويق فيها بناء استراتيجيات تسويقية فعالة، مما جعل تلك الفترة بالنسبة لـ«أرامكو السعودية» عصرا زاهيا تمكن فيه صناع القرار من تحقيق قفزة نوعية بإغلاق خزانات النفط المستأجرة لـ«أرامكو السعودية» في جزر البحر الكاريبي، وقبلها في جزر البهاماس، والتي كانت لإمداد أمريكا باحتياجها من النفط، ومن ثم التحول إلى السوق الآسيوية... ذلك القرار الاستراتيجي الشجاع الذي جعل من تلك الفترة عصرا ذهبيا بكل حيثياته تم تطبيقه بكل حزم وحرفية، ولم تثن قيادات تلك المرحلة تقلبات أسعار النفط الحادة عن تطبيق قرارهم في ذلك الوقت. وقد كتب الله أن كنت في خضم ذلك المعترك، وأذكر جيدا كيف واجهنا التيار الإعلامي النفطي الغربي الرافض، والذي استشاط غضبا بسبب إغلاق تلك الخزانات في جزر البحر الكاريبي نهاية (2010م)، والتي كانت لإمداد أمريكا بالنفط، ومما زاد في تأجيج نيران غضبهم افتتاح أول خزانات نفط إستراتيجية لـ«أرامكو السعودية» في نفس الوقت في آسيا، وتحديدا في جزيرة «أوكيناوا» اليابانية بداية (2011م) والتي تتميز بالقرب الجغرافي لمصافي التكرير في كوريا الجنوبية وبعض مصافي الصين والتي سبق ﻷرامكو السعودية امدادها من هذه الجزيرة الاستراتيجية. وهنا أنوه إلى أن الفرق ما بين إغلاق تلك الخزانات في جزر البحر الكاريبي، وافتتاح خزانات جزرأوكيناوا اليابانية مدة شهرين فقط... وبالرغم من قصر هذه المدة فقد تمكن فريق التسويق الريادي في ذلك الوقت القصير من تدشين أول خزانات نفط تابعة لشركة «أرامكو السعودية» في آسيا واليابان تحديدا.. وهذا انجاز يذكر فيشكر. التغيير مطلب مهم للتقدم، وقد أدركت «أرامكو السعودية» ذلك فضخت دماء جديدة في قيادات التسويق لشركة «أرامكو السعودية»، ولكن كان من المفترض أن يرقى ذلك بالتسويق، وأن يستفاد من تلك القرارات، ومن مكانة الشركة، حيث تعتبر أكبر شركة نفط وطنية في العالم، ولكن مع الأسف ما رأيناه على أرض الواقع مؤخرا مخالف لذلك، حيث إن مسئولي تسويق النفط بـ«أرامكو السعودية» منذ النصف الثاني من عام (2014م) تسببوا في انحدار شديد في استراتيجيات التسويق، ولم يتمكنوا من التحكم الصحيح في دفة العمل، لقيادة المركبة إلى التقدم والازدهار كما هو مطلوب من مسوقي نفط أكبر شركة نفط وطنية في العالم. بالملح نُصلح ما نخشى تغيرهُ فكيف بالملح إن حلت به الغِيَرُ ومما لا ينقضي منه العجب ما نراه من هجمة ممنهجة على المملكة العربية السعودية يشارك فيها كل من هب ودب، بتضليل القراء، وتلفيق الأكاذيب في مجال النفط، كما أوضحنا بإسهاب في معرض الرد في مقالات سابقة، ولكن يبدو أن أصحاب التخصص لا يعيرون الأمر أهمية، علما بأنهم على اطلاع تام بكل ما تسطره وسائل الإعلام النفطي الغربي.. وإن ظن أحد أني قد بالغت في الهجوم على مسئولي تسويق النفط الخام في «أرامكو السعودية» فلعلكم تستغربون عندما تعلمون أن «أرامكو السعودية» كانت ولا تزال معلمي الأول ولكن... معذرة أيها المعلم، فأنا لا أحابي على حساب وطنيتي فمهما أعطتني «أرامكو السعودية» فعند المقارنة سيغرق ذلك في بحر حسنات وطننا المعطاء.. وهنا أصلا لا مجال للمقارنة! ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُه إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا وبعد هذا الإخفاق في مجال التسويق فإني لأصاب بدوار عندما أشعر بالوهن التسويقي الذي أصاب هذا الكيان العملاق فلم يستطع أن يسطر استراتيجيات تسويقية لمواجهة الزخم الإيراني القادم، ولا حتى الرد على أراجيف ومكائد تحاك ضد مملكة الحق و العدل، وفي صميم عمله من مثل ما نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» وقبلها هجوم «نيويورك تايمز»، اللتان رددت عليهما في مقالات سابقة، ولكن كان من الأجدر أن تكون «أرامكو السعودية» سباقة وريادية في الدفاع عن سياسات المملكة النفطية وأهدافها السامية، كما هو المعهود عنها من ريادة في كافة المجالات. وفي ظل هذا يبرز سؤال بديهي: أين هو دور مكتب «أرامكو السعودية» للتسويق في نيويورك؟!! ولم لا يشارك ذلك المكتب في الذب عن وطننا، والرد على كل هجوم إعلامي على المملكة العربية السعودية وسياساتها الحكيمة؟!!. وإن لم يقم بهذا الدور فما الجدوى من وجوده أصلا، وما المردود من مصاريفه الباهظة، إذا كان لا يستطيع أن يقوم بأقل المهام المناطة به؟!! أم هو البريستيج الزائف فقط، على مدى عقود من الزمن. كالعيس في البيداء يقتلها الظمَا والماء فوق ظهورها محمول وهنا يجب ألا يختلط على البعض، دور «أرامكو السعودية»، بدور وزارة البترول والثروة المعدنية، لأن «أرامكو السعودية» أصبحت كيانا مستقلا مفصولا عن الوزارة. ولعلي هنا أشير إلى أن كل ما ذكرته هو: غيض من فيض، فهناك الكثير والمثير، ولكن كما يقال: لكل مقام مقال. وأخيرا «أرامكو السعودية» عليها أن تتعامل مع الإعلام بشفافية؛ فالكل ينشر، والكل يطلع على هذه المعلومات والإحصائيات.. إلا المواطن السعودي!! الذي هو الأحق أن يطلع ويتثقف عن أسواق النفط ودور المملكة العربية السعودية البناء في إمدادات العالم، والذي يتنافى مع هجمات الإعلام الغربي الممنهجة!! «أرامكو السعودية» أيقونة النجاح، ومفخرتنا وعدتنا لليوم والغد.. حان الوقت لأن تسمع باهتمام صوت المواطن، وأن تسمعه صوتها بوضوح...فهي قادرة ورائدة، ولكن يصدق عليها قول الشاعر: ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام