خصخصة جزء من «أرامكو» لا علاقة له بتراجع عائدات النفط وانخفاض أسعاره

خصخصة جزء من «أرامكو» لا علاقة له بتراجع عائدات النفط وانخفاض أسعاره

الاحد ١٠ / ٠٤ / ٢٠١٦
قبل أن أسهب في هذا الموضوع أود أن أذكر ببعض الأطروحات السلبية التي تناقلتها مؤخرا بعض وسائل التواصل الاجتماعي حول الإعلان عن خصخصة جزء من «أرامكو السعودية». - هناك من يطالب بتنويع مصادر الدخل بالإضافة إلى دخل النفط، ولا يرى في تخصيص جزء بسيط من رأس مال «أرامكو السعودية» عاملا لتنويع مصادر الدخل، بل على العكس يرى أن فيه زيادة مخاطر للمصدر الأساسي للدخل. - هناك من يعتقد أن بيع أجزاء من «أرامكو السعودية» يدخل شركاء طوال السنوات القادمة ولمدى الحياة، وهذا لا يعد تنويعا لمصادر الدخل. - هناك من يستبعد زيادة في وفرة الوظائف من خلال خصخصة جزء من «أرامكو السعودية» في ظل انخفاض دخلها وتوقفها العملي عن التوظيف المباشر منذ عقود، بل يخشى أن تكون النتيجة عكسية على العمالة الوطنية فتتخلص الشركات المالكة للجزء المخصخص من العمالة الوطنية، بجلبها عمالة آسيوية أقل كلفة. وهذا كلام مغاير للصحة حيث «أرامكو السعودية» لم تتوقف أبدا عن التوظيف وربما خفضت التوظيف في خلال بعض الأزمات المادية. - هناك من يشير إلى تجربة الخصخصة في معمل «بترورابغ» الذي يعتبر من أفضل معامل «أرامكو السعودية»، والذي تم طرح أسهمه بـ (21 ريالا) للسهم قبل (9 سنوات)، وقيمته اليوم أقل من (10 ريالات) للسهم، ولم يوزع أرباحا إلا (نصف ريال) طوال هذه السنوات التسع ولمرة واحدة فقط. - هناك من يرى أن «أرامكو السعودية» تمتلك أصولا ضخمة في قطاعات التنقيب والإنتاج، ولكن المملكة تفتقر لتجربة خصخصة ناجحة يمكن اتخاذها محفزا ونموذجا يحتذى به، ويصرح هؤلاء عن تخوفهم من تكرار تجربة خصخصة قطاع الكهرباء التي مر عليها (12 عاما) وهي تعاني من الفشل ومازالت كما يقولون (مع كونه قطاع خدمات غير ربحي)! ويرى أصحاب هذا التصور أنه من المهم بقاء «أرامكو السعودية» ملكا للدولة، وتحت مظلة واحدة، ويرون أنه ليس من الصالح بعثرتها في شركات خاصة. - هناك من يرى أن قيمة «أرامكو السعودية» إذا كانت لا تشمل غير الاستخراج والاستكشاف لن تتجاوز 300 مليار دولار. - هناك من يرى أن النفط ملك للشعب، وأن هذا القرارلابد أن يكون بموافقة الجميع، ويرى أنه ليس من العدل بيع نفطنا الذي لايزال تحت الأرض في الوقت الحالي. -- هناك من يرى أن التوقيت غير مناسب الآن وذلك بسبب انخفاض أسعار النفط، ويفضل أن تكون الخصخصة في وقت ارتفاع أسعاره. حيث إنه وفقا لتقديراتهم الخاطئة فإن رأس مال «أرامكو السعودية» يقدر باحتياطي المملكة العربية السعودية من النفط، والبالغ حوالي (260 مليار برميل). فهؤلاء يرون انه عندما يكون سعر البرميل (مائة دولار) فإن هذا يعني نظريا أن قيمة بترول «أرامكو السعودية» تساوي (26 تريليون دولار)، بينما عندما ينخفض سعر البرميل من (مئة دولار) إلى (35 دولارا) فإن القيمة السعرية لـ «أرامكو السعودية» ستنخفض إلى (9.1 تريليون دولار). أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل وسأرد على أهل هذه التدوينات وما شاكلها لأني على يقين تام بأن كل ما سبق هو مسار ملتو، ومنهج خاطئ في فهم أساس الفكرة.. كما أرى أنه تصورغيروارد لتطبيقها، وبالتالي استنتاج لمخرجاتها غير صائب. يا سادة يا كرام امتلاك جهاز ذكي، وأحاديث المجالس، ومعرفة بعض المعلومات السطحية لا تكفي في فهم جدوى مثل هذه القرارات، التي يمتزج فيها البعد الاقتصادي بالقرار السيادي السياسي، والمنطق البراقماتي بالبعد الريادي القيمي لدولة التوحيد ومملكة الإنسانية المملكة العربية السعودية. وهنا لابد من القول إن إثبات هامش حرية معين في وطن لا يعني بحال من الأحوال الطعن في كل ما هو رسمي كما يحاول البعض. فمثل هذا المسلك لا يعد أكثر من مثل ما ينسب لبعض منظري النظام الرأس مالي في إشغال الرأي العام بما يعرف بـ «الحفر من أجل الحفر» حيث يتم حفر الحفرة ليس لإقامة مشروع ولكن لإشغال الناس بحفرها ثم اشغالهم مرة أخرى بدفنها للتخلص من المتراكم بسبب حفرها. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم أيها الكرام مباشرة وبكل بساطة أقول: هذا التقدير خاطئ حيث إن الجميع استند إلى القيمة السوقية التي نشرت مؤخرا لـ«أرامكو السعودية» والتي بلغت (781 مليارا في عام 2006)، و(7 تريليونات دولار في عام 2010) طبقا لتقدير صحيفة «فاينانشال تايمز»، والتي تأتي مخالفة لما رجحته مواطنتها مجلة «اكسبلوريشن» حيث قدرت أن قيمة «أرامكو السعودية» السوقية في (عام 2015) تقدر بحوالي (10 تريليونات دولار). وهذا تقييم غير صحيح كما لا يخفى على كل منصف مختص، ولا يمت للواقع ولا للحقيقة بأية صلة، حيث لا يمكن أن تقييم «أرامكو السعودية» بقيمة الاحتياطي النفطي للمملكة العربية السعودية بأية حال من الأحوال، بل الواجب أن تقيم بحساب الأصول الثابتة والقيمة السوقية، والكفاءات، والاسم التاريخي القوي في أسواق النفط........الخ، والتي تعتمد بدورها على عوامل عديدة. فهل يعقل أن يتم تقييم اقتصاديات الدول التي لديها احتياطي نفطي ولا تتوفرعلى البنية التحتية اللازمة لاستخراجه وتصديره على هذا الأساس؟!!.وكيف يمكن أن تقيس شركات النفط العالمية قيمتها السوقية على المخزون النفطي وهي ليست شركات حكومية، وبعضها لا يمتلك أي مخزون نفطي لا أساسي ولا احتياطي؟!! فلنلق نظرة على الأصول الثابتة، واحتياطيات النفط لشركات النفط العالمية الكبرى (شكل رقم 1 و2). (International Oil Companies - IOCs or Majors) ولنضرب مثلا بأكبر شركة نفط عالمية من حيث الأصول الثابتة شركة «أكسيون موبيل»، نجد أن «أكسون موبيل» تمتلك أصولا ثابتة تقدر بـ (350 مليار دولار) بينما احتياطيها من النفط لا يتجاوز (25 ملياربرميل)!، وقل مثل ذلك الحال في بقية شركات النفط العالمية مما يؤكد أن «أرامكو السعودية» لا يمكن أن تقدر قيمتها السوقية بالمخزون النفطي.. ناهيك عن قيمة أصولها الثابتة التي تفوق أغلب شركات النفط العالمية. هذا بالإضافة إلى طاقتها لتكرير النفط التي تصل إلى 5 ملايين برميل يوميا من منتجات النفط والتي تجعلها تتصدرالمرتبة السادسة عالميا. ولا ننسى أن الموقع الجغرافي سهل الوصول للسوق الآسيوية والأوروبية. وتأكيدًا على ما سبق وبالنظر إلى (الشكل رقم 3) فإننا نرى أن ترتيب شركات النفط العالمية جاء بناء على الأرباح السنوية ونرى أن العائد من مبيعات النفط الخام ليس هو فقط المقياس، حيث إن أغلب هذه الشركات المصنفة هي مصافي تكريروليست شركات منتجة للنفط الخام، وهذا ما يجعل من تقييم «أرامكو السعودية» السوقي استثنائيا لتميزها بوجود الاحتياطي النفطي، علاوة على البنية التحتية، ومصافي التكرير، والموقع الجغرافي، والكفاءات الوظيفية، والسمعة العالمية والدور الريادي في أسواق النفط، وتراكم الخبرات، والثقة التي تحظى بها وغير ذلك مما يميزها في التقييم عن أي شركة نفط أخرى في السوق. أقول لجميع هؤلاء أرجو أن تفكروا بعيدا عن العاطفة وأن تستصحبوا ولو قليلا من الإيجابية. حيث إنها نسبة (5%) فقط، وكما هو مقرر فإن رجحان العمل إنما يتأكد برجحان عاقبته. أيها المتشائمون: إنها فرصة وللشعب حق بل قل أولوية في اقتناصها بامتلاك هذه النسبة... تذكروا جيدا أنها قيمة (5٪‏)، ولن تذهب لشركة أو لجهة مجهولة وإنما ستكون بأيديكم وستضاف قيمتها إلى الصندوق السيادي للدولة..«فما لكم كيف تحكمون»؟! وحتى إن وقع ما لا يمكن الجزم باستحالته على أي عملية تجارية تتأثر بعوامل العرض والطلب، وجملة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية كهذه، فللدولة جميع الحقوق في استرجاع هذه النسبة إلى سلتها الرئيسية من حيث أحقيتها بشراء (5%) كأسهم مطروحة في السوق، لاسيما أن شراء نسبة الـ (5%) من هذا الكيان العملاق يحتاج لسيولة من غير الوارد أن تتوفر بأية حال من الأحوال لدى شخص واحد، وعلى هذا الاعتبار فلا معنى للتخوف ولا لهذه الأطروحات المتشائمة من التأثير على الشركة لا من قريب ولا من بعيد حتى وإن طرحت في الأسواق العالمية. فكرة هذا القرار تأتي كخطوة متقدمة، في تأصيل مبدأ تبادل الثقة المعهود، بين الحاكم والمحكوم. وهذا القرار الذي أصفه أنا بالحكيم، يقينا سيسهم في تنمية الموارد البشرية الوطنية، حيث سيكون رافدا مهما يمد البلاد بكفاءات وطنية صناعية من الطراز الأول ومرة أخرى أقول إن طرحها في الأسواق العالمية لن يمنع ذلك البتة. ولعلنا نتفق أننا بحاجة ملحة إلى ثورة اقتصادية حازمة، تضمن للبلاد المكانة اللائقة بين الأمم والمجتمعات، ثورة تضمن لنا كل ما يلزم من تحول عقلنا الجمعي إلى قوة تدعم التوجهات التنموية، والأفكار التطويرية لتحيل المجتمع وبخطوات ثابتة من مجرد كيان مستورد مستهلك إلى قوة اقتصادية محترفة.. قوة لا تؤمن ببعض الرسائل السلبية من مثل «ليس بالإمكان أكثرمما كان» ولا بالأطروحات المغرقة في التشاؤم من مثل تشبيه المجتمع «بالقنبلة الموقوتة» التي ينتظرنا حال انفجارها الويل والثبوروعظائم الأمور. فنحن شعب قد وهبه الله كل أسباب التقدم والرقي.. العمل المنظم مع قليل من التفاؤل سيصنع طفرة صناعية، ونهضة تنموية، وقوة يحسب لها ألف حساب وحساب.. فزامر حينا جميل ويطرب. ولأكون واقعيا كما أدعو غيري أن يكون، فكل تلكم الإيجابيات التي تقدمت لن تمنعني من أن أشير إلى أن هناك ما هو أقوى إيجابية من وجهة نظري المتواضعة وهو أن هذه الشركة التي ستنشأ فقط من (5%) من رأس مال «أرامكو السعودية1 ستساعد على ولادة شركة ضخمة تضاهي «أرامكو السعودية» نفسها. وهنا لا بد أن ألفت الانتباه إلى أنه لولا ضمان نجاح مثل هذه الفكرة لما لجأت إليها شركات حكومية كبرى في العالم. وعليه نحن في انتظار ولادة عملاق اقتصادي جديد وقوة تتمثل في شركة ضخمة أخرى مثل «أرامكو السعودية» لننطلق من الاعتقاد الجازم بأن كل جزء بسيط من «أرامكو السعودية» سيولد لنا وبكل تأكيد شركات عملاقة أخرى مثل «أرامكو السعودية» لتكون من أهم مصادر تنوع الدخل للدولة.. ونكون بهذه الكيانات مجتمعة قامة صناعية كبيرة تقود العالم إلى برالأمان. ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر عندما طرح هذا الموضوع لأول مرة بداية شهر يناير الماضي ناقشته مع المستشار القانوني «أحمد فيصل خضير الحربي» الذي لفت انتباهي مشكورا إلى أن شركة «أكسون موبيل» أحد أكبر شركات النفط والطاقة في العالم كانت مجرد شركة وليدة من احدى الشركات الـ 34 التابعة لشركة «ستاندارد أويل» (Standard Oil) الأمريكية المملوكة لجون روكفلر والتي تمكن من خلالها بحلول (عام: 1879) من السيطرة على نحو (90%) من صناعة النفط في أمريكا، وقفز بسرعة إلى أغنى رجل في التاريخ بثروة فاقت (400 مليار دولار)، علما بأن أغنى رجل في العالم لهذا (العام 2016م)، وللسنة الثالثة على التوالي «بيل قيتس» وحسب لوموند الفرنسية لم تتجاوز ثروته (75 مليار دولار). ولم يقتصر نفوذ «روكفلر» على المال وحده، بل سيطر أيضا على إمدادات الطاقة، وتدفق النقود، والتحكم بالبورصة الأمريكية. ولكن سيطرة «روكفلر» على صناعة النفط الأمريكية تسببت (عام1911م) في تفكيك شركة «ستاندرد» إلى 34 شركة نفطية كانت إحداها هي شركة أكسون موبيل الحالية. وموقع الشاهد مما ذكره المستشار «أحمد فيصل الحربي» مشكورا هو أنه وبالرغم من التفكك الذي وقع لهذه الشركة إلا أنه لا تزال هذه الشركات التي تمثل أجزاءها هي محور صناعة النفط الأمريكية، وتملك تأثيرا قويا على إمدادات الطاقة في العالم، بل وتلعب دورا في خلق اقتصاديات النفط، و«ما جاز على المثل جاز على مثله». عليه نقول وجب أن نتفق أنه إذا أصبح في المملكة العربية السعودية شركة أو شركات أخرى تضاهي «أرامكو السعودية» في النجاح، فإن ذلك سيحدث قوة اقتصادية مهمة وتنوعا في مصادر الدخل. فبغض النظر سواء كانت المشاركة عن طريق شراكة بين ما تملكه الدولة وما يملكه القطاع الخاص عن طريق تخصيص بعض المرافق الصناعية التي لها مستقبل واعد، فالمقصود من المساهمة مع «أرامكو السعودية» قد لا يهدف إلى جذب الاستثمار الخارجي فقط، بقدر ما يهدف إلى منح المواطن فرصة واضحة للمشاركة الجادة في التنمية المستدامة بطريقة أو بأخرى. وعودًا على بدء.. لابد من التذكير بأن شركات النفط العالمية لا تقدّر أصولها بالاحتياطي من النفط الذي تملكه تلك الدول التي تعمل بها تلك الشركات، كما أن تقييم هذه الأصول بأسعار النفط الحالية أو المستقبلية يُعدُّ خطأ فادحا يقع فيه الاقتصاديون النظريون. وبالتالي فان طرح جزء من أسهم «أرامكو السعودية» يعد خطوة جريئة للإصلاح الاقتصادي تهدف لزيادة الكفاءة وتعزيز دور القطاع الخاص وتنويع مصادره، ونسبة ذلك لتراجع أسعار النفط قول بلا سند. تابعنا الخطأ الفادح الذي وقع فيه كثير من الكتاب حيث انطلقوا من أن الفكرة جاءت بسبب تدنٍ في بيع أصولها. وهذا كما أسلفنا طرح نظري فارغ، حيث إن طرح الشراكة يحمل قيمة نوعية ولم تكن مادية إطلاقا، فالقرار أتى بعد دراسات مستفيضة كان موجبها عزل «أرامكو السعودية» عن وزارة البترول، وتعزيز سلوكها كشركة نفط بدلا من كونها كيانا مرتبطا بالوزارة، ثم ربطت مباشرة بمجلس الاقتصاد والتنمية، مثلها في ذلك مثل صندوق الاستثمارات. هناك عقدة نفسية يعاني من آثارها كثير من الشعوب، وهي: إثار دائرة الراحة و«فوبيا» التغيير، وفي مثل هذه الأوساط يعتبر المبادرون دوما في تطور العالم عملة نادرة، وهؤلاء القلة هم القادة، وهم من غيروا التاريخ إلى الأفضل كل بحسب تخصصه. وقد قيل إن الإنسان عدو ما يجهل، وقيل «من جهل شيئا عاداه»، ولذلك تعتبر إدارة التغييرمن أصعب الأمور التي تواجه الشعوب، وزوال الجبال أهون من زوال الطباع، ومما اتفق عليه الحكماء عبر الأزمان أن تلقي التغيير من أول وهلة من أصعب الأمور. حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل.