لماذا ترفع أمريكا حظرها على تصدير النفط بعد 40 عاما في ظل تخمة العرض؟!

لماذا ترفع أمريكا حظرها على تصدير النفط بعد 40 عاما في ظل تخمة العرض؟!

الاحد ٢٠ / ٠٣ / ٢٠١٦
قرأنا كثيرا عن رفع الحظر عن صادرات النفط الأمريكي، وفي ديسمبر الماضي كاد الجميع يجزم أن ذلك لن يؤثر على توازن سوق النفط العالمي، كيف لا وإن كانت المعطيات تؤول إلى عكس ذلك حيث إن الإمدادات الأمريكية المحتملة التي ستتدفق على الأسواق ستخلق المزيد من المنافسة أمام أنواع الخام العالمية والتي يقل سعرها في العقود الآجلة عن خام برنت بحوالي 2 دولار للبرميل. حيث إن أمريكا تستهلك يوميا قرابة 19 مليون برميل من النفط. ويبلغ إنتاجها اليومي أكثر من 9 ملايين برميل يوميا من النفط هذا بالإضافة إلى ما تنتجه أمريكا من الغاز الصخري المسال (LNG) والبالغ حوالي 3 ملايين برميل. والجميع يعلم أن الخام الأمريكي الخفيف الحلو منخفض الكبريت (Light Sweet) سوف يتنافس مع أشباهه من نفط بحر الشمال النرويجي، ونفط ليبيا، نفط الجزائر، وخصوصا نفط غرب أفريقيا. ومن هنا كان لزاما على كل مهتم أن يعرف لماذا تم رفع الحظر في هذا التوقيت الذي يوجد فيه فائض من المعروض من النفط يغرق الأسواق مع انخفاض في الأسعار إلى مستويات متدنية تاريخياً حيث كان من الأجدر بأمريكا أن ترفع الحظر عن صادراتها عند مستويات الـ 100 دولار للبرميل بين أعوام(2010-2014)؟!. ولعل هذا يذكرنا بالمثل العربي الشائع «أحشفا وسوء كيل»؟!. وعودة إلى السؤال: لماذا رفع الحظر على تصدير النفط الأمريكي؟؟ ولماذا الآن؟؟؟ أقول إن ذلك وقع للأسباب التالية: أولا: تقليص الفرق بين أسعار النفط القياسية الأمريكية والأوروبية (Narrow WTI/Brent Spread) بين سعر خام غرب تكساس (سعر النفط القياسي في أمريكا) وخام برنت (القياسي في أوروبا). حيث انه في عام 2011 وصل خام غرب تكساس إلى 25 دولاراً للبرميل دون خام برنت، وهو مستوى متدنٍ تاريخي. أما العام الماضي، فإن خام غرب تكساس كان يتداول على الدوام أدنى من خام برنت ما بين 5-10 دولارات. وهذا التداول المتدني يضر منتجي النفط الأمريكي، وخاصة منتجي الزيت الصخري ذي العمليات المكلفة. (مرفق منحنى يوضح ذلك). ويلاحظ أنه بالرغم من البداية المتواضعة لتصدير النفط الأمريكي الخفيف إلا أننا نرى: انه قد تم بالفعل إغلاق هذه الفجوة التي كانت صادرات النفط الأمريكي تهدف للقضاء عليها. بل وعلى العكس ففي الآونة الأخيرة، نرى أن خام غرب تكساس تداول بعلاوة ثلاثين سنتا لخام برنت. وكذلك الحال مع أول شحنة من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي (LNG) التي غادرت ميناء سابين باس في لويزيانا مطلع هذا العام متجهة إلى البرازيل. ثانيا: إنقاذ صناعة النفط الصخري (Shale Oil) حيث إن التصدير يمثل فرصة لإنقاذه، كما كان تصدير الغاز الصخري (Shale Gas) فرصة جيدة لعدم إفلاس هذه الصناعة في امريكا والتي تحولت من الاستيراد إلى التصدير. ‏ثالثا: يصدر الأمريكيون النفط الخفيف الحلو الخالي من الكبريت ويستوردون النفط الأثقل والأكثر حموضة عالي الكبريت وبذلك يتحقق هامش ربح عند بيع النفط الأمريكي الخفيف منخفض الكبريت (Light Sweet) الأغلى ثمنا، وغير المرغوب فيه من المصافي الأمريكية المتطورة، والمعقدة والمصنوعة لتكرير النفط الثقيل الحامض عالي الكبريت (Heavy Sour) الأرخص ثمنا الذي يتم استيراده بدلا من النفط الخفيف من الخليج العربي، والمكسيك، وفنزويلا. حيث إن أمريكا تتمتع بمصاف تتميز بإزالة الكبريت (desulfurization capacity) وتكرير النفط الثقيل جدا (deeper conversions). رابعا: أوروبا سوف تكون الوجهة الأساسية للخام الأمريكي الخفيف، وأيضا أمريكا اللاتينية. ولكن لماذا نسقي البعيد ونترك القريب؟!. لماذا والسواحل الغربية الأمريكية بها مصافي تكرير تحتاج إلى هذا النفط الخفيف.. وإن كان لوجستيا يستحيل وصول الأنابيب إلى الساحل الغربي أو الشرقي فلماذا لا تشحن أمريكا نفطها إلى السواحل الغربية بل وحتى الشرقية؟. فمن المعلوم أن شحن النفط الخام الأمريكي من ساحل الخليج الأمريكي إلى أوروبا أو أمريكا اللاتينية عادة ما يكون أرخص من شحنه محليا إلى سواحلها الشرقية أو الغربية، وذلك لأن القانون الأمريكي والذي يعود تاريخه إلى عام 1920 ميلادية يفرض على أي شحنة نفط خام محمولة محليا بين الموانئ الأمريكية أن تكون على متن سفن أمريكية ترفع العلم الأمريكي وطاقم أمريكي وهو ما يسمى بـ جونز اكت (Jones Act). وهذا يعني أن برميل النفط الأمريكي المشحون إلى أوروبا عبر المحيط الأطلسي على ناقلات ترفع أعلاما أجنبية يكلف 2 دولار للبرميل فقط، مقارنة بتكلفة استخدام ناقلات نفط أمريكية محلية باهظة الثمن وترفع العلم الأمريكي بطاقم امريكي، والتي تكلف حوالي 7 دولارات للبرميل. وكما هو متوقع فإنه بعد أسبوعين فقط من رفع الحظر اتجهت أول شحنتين من النفط الأمريكي الخفيف عبر المحيط الأطلسي إلى ألمانيا، والشحنة الثانية إلى مرسيليا جنوب فرنسا وهو ما يعني الوصول إلى أسواق شمال غرب أوروبا بالإضافة إلى أسواق حوض البحر الأبيض المتوسط. لماذا لا ترفع أمريكا أيضا حظرها عن «جونز اكت» كما فعلت مع صادرات النفط؟؟؟ خامسا: آسيا سوف تكون وجهة رئيسية وخاصة بعد الانتهاء من التوسعة الضخمة لقناة بنما التي سوف تفتح المجال واسعا أمام تصدير النفط الامريكي الخفيف إلى آسيا عبر المحيط الهادي. حيث سوف تساعد على استيعاب ناقلات النفط العملاقة المحملة إلى آسيا والمبحرة غربا عبورا بالمحيط الهادي حتى تصل إلى اليابان التي تتكيف مصافيها مع الزيت الأمريكي الخفيف. وليس من المستغرب أيضا أن يصل حتى إلى كوريا الجنوبية والصين. وبذلك سوف تكون وجهات النفط الأمريكي ليس فقط شرقا عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا (Transatlantic) بل وحتى غربا عبر المحيط الهادي (Transpacific). مرفق رسم بياني يوضح شحنات من النفط الصخري وصلت إلى كوريا الجنوبية واليابان من حقول النفط الصخري في (Eagle Ford) وذلك في شحنات حصلت على موافقة خاصة من الحكومة الأمريكية سابقا قبل رفع الحظر رسميا على صادرات النفط الأمريكي. ويخلص الكثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين إلى أن رفع الحظر عن تصدير النفط الأمريكي في هذه الظرفية لن يكون فعالاً لأن البنية التحتية للموانئ الأمريكية غير جاهزة للتصدير وشحن المزيد من كميات النفط، وهذا لن يكون منافسا للتصدير إلى آسيا، بعد إضافة تكاليف الشحن حيث إن نفط بحر الشمال، والجزائر وليبيا وغرب أفريقيا أقرب إلى آسيا، واقل في تكلفة الشحن. والرد على هؤلاء اننا يجب ألا ننسى التالي: أ) ان الموانئ الأمريكية أساسا مجهزة لاستيراد النفط كأكبر مستهلك في العالم! ب) البنية التحتية للاستيراد لا تختلف عن التصدير؟ ج) استطاع النفط الكندي في البرتا شمالا الوصول إلى هيوستن جنوبا؟ د) استطاع خط انابيب سيواي أن يعكس اتجاه سير النفط ليصل إلى الخليج الأمريكي جنوبا قرب هيوستن بدلا من الاتجاه شمالا الى كوشنق أوكلاهوما (Kushing Oklahoma)؟؟ هذا بالإضافة إلى عكس خطوط أنابيب أخرى مملوكة لشركات شل وماراثون كلها سوف تساعد على وصول النفط الصخري والكندي إلى الخليج الأمريكي للتصدير!! وفي الختام أريد أن أعيد إلى الأذهان أن نيجيريا من الدول الأكثر ضررا جراء صادرات النفط الصخري الأمريكي، إذ تصدر خاما مماثلا للنفط الأمريكي الخفيف منخفض الكبريت. وقد خسرت الدولة بالفعل حصتها في السوق الأمريكية لصالح النفط الصخري حيث انعدمت صادراتها إلى أمريكا تقريبا بعد أن كانت تزيد على مليون برميل يوميا. مرفق منحنى يوضح الانخفاض التدريجي في صادرات النفط النيجيري الى امريكا. والآن تواجه نيجيريا منافسة أمريكية في أوروبا وآسيا أيضا حيث إن مليون برميل من النفط النيجيري الخفيف كانت تصدر إلى أمريكا وتواجه نيجيريا حاليا الصعاب لتحويلها إلى السوق الآسيوي! وخلاصة الأمر يجب ألا ننكر أن أي تغييرات في سوق النفط الأمريكي كأكبر مستهلك للنفط في العالم سوف تؤدي وبالضرورة إلى تغيير في توازن أسواق النفط العالمية... والسؤال الذي نختم به وهو الأهم: لماذا يقتصر رفع الحظر فقط على الخام الأمريكي الخفيف والذي يتوافر عالميا أكثر من الخام الثقيل المحدود نسبيا لجدواه الاقتصادية في مصافي التكرير المتطورة بينما لا تصدر أمريكا خامها الثقيل والمنتج في الخليج الأمريكي ولا يحتاج إلى أي إمكانيات لوجستية جديدة للتصدير؟؟ إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم