إلى أين تتجه أسعار النفط؟

إلى أين تتجه أسعار النفط؟

الاحد ١٣ / ٠٣ / ٢٠١٦
عندما انخفضت أسعار النفط إلى 27 دولاراً للبرميل في 11 فبراير من هذا العام كان هذا هو أدنى سعر للنفط منذ عام 2003. وبالتالي تكون أسعار النفط قد انخفضت حوالي 75٪ من ذروتها في يونيو 2014 حين قارب سعر البرميل 108 دولارات، ما يعني المرور بفترة عشرين شهرا من الهبوط الحاد. ومع انخفاض أسعار النفط إلى هذه المستويات المتدنية، أخذ مجموعة من الاقتصاديين النظريين يروّجون إلى أن انخفاضا كهذا لأسعار النفط مضر بالاقتصاد العالمي من جهة، خصوصا إذا أخذ بالاعتبار أنه قد لا يؤدي إلى تزايد طلب المستهلكين على المنتجات البترولية كما هو متوقع. كما تستبعد هذه المجموعة أن يعتبر انخفاض لأسعار هذا المنتج الحيوي محفزا مهما لمستهلكي النفط، وبالتالي لن يكون أثر هذا الانخفاض ايجابيا على الاقتصاد العالمي وذلك لأنهم يرون أن الأثر السلبي للانخفاض الحاد في أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 فاق تأثيره الفوائد الاقتصادية المترتبة عليه في المدى القصير. وعجبي لا ينقضي من هؤلاء الاقتصاديين النظريين أنفسهم الذين أهملوا تاريخ انخفاض أسعار النفط سابقا على مدى عقدين تقريبا حيث بلغ متوسط سعر خام برنت 20 دولاراً للبرميل بين نوفمبر 1985 وديسمبر 2003، إذ لم تكن تلك الفترة رغم طولها ورغم حدة انخفاض أسعار النفط فيها سببا لمخاوف كالتي يقررونها اليوم وينذرون العالم من تداعياتها.. أو ليس ما جاز على المثل جاز على مثله؟!!!! اختلفت وجهات نظر الاقتصاديين ومحللي أسواق النفط العالمية حول إستراتيجية حصة السوق وما يمكن أن تساهم به في استقرار أسواق النفط وأهميتها في خلق نوع من التوازن بين العرض والطلب؛ لأنهم يرون أن من الوارد أن تكون هذه الزوبعة مجرد محاولة من دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) لحماية حصصها ضد تهديد ثورة النفط غير التقليدي (الصخري)!. بكثير من الاستغراب بل والتوجس ظل السؤال على مدى العشرين شهرا يدور من قبل جميع المتابعين: لماذا لم تدافع منظمة أوبك عن سقوط الأسعار والتي بدأت في الانخفاض بعد منتصف عام 2014 بنفس الطريقة التي فعلت في عامي 1986 و 2008، وذلك بتعديل الإنتاج لدعم الأسعار مثلا؟!. ولعل الجواب بأن الأمر يكمن في ظروف السوق، والتطورات التي كانت سائدة قبل سقوط أسعار النفط. وواقع الحال يقول: ان منحنى الأسعار، والتشابه بين انخفاضها في تلك السنوات (1986 و 2008 ) وانخفاضها في هذه الفترة 2014 يشير إلى ان نسبة الانخفاض في تلك الفترة أكبر بـ(أكثر من 30٪) خلال 6 أشهر تقريبا. وان انهيار أسعار النفط من 147 دولاراً للبرميل إلى دون 40 دولاراً للبرميل خلال ستة أشهر فقط في عام 2008 هو الانهيار الأكثر حدة في التاريخ وقد كان السبب الرئيسي هو أنشطة المضاربين في سوق النفط، وأنشطة المضاربة المالية والتي نمت مع كميات ضخمة من براميل النفط الورقية المتداولة (Financial Speculations). ولعلنا هنا نستطرد ونتساءل كما تساءلوا.. أين كانوا؟! وأين تلك الانتقادات عندما هوت أسعار النفط في عام 2008؟؟!!. أين كانت تلك الزوبعة الإعلامية في عام 2008؟! وأين كانت تلك الانتقادات بالتسبب في الانهيار الاقتصادي..؟!! ومن المسلم به عند كل منصف أن المملكة العربية السعودية تلعب دور المنتج المرجح، وتأخذ على عاتقها مسؤولية توازن أسواق النفط العالمية منذ بداية الثمانينيات، بل وإضافة إلى ذلك لعبت المملكة العربية السعودية دور مصدر النفط الموثوق والمعتمد عليه في تلبية احتياجات الطلب على النفط على مدى عقود من الزمن. أكثر من ثلاثين عاما والمملكة العربية السعودية توازن سوق النفط كونها المنتج المرجح الفاعل القادر على ذلك.. هذا الدور الريادي الذي كان سببا لاستقرار سوق النفط العالمي وهو نفس الدور الذي رفضت أن تلعبه كبرى الدول المنتجة للنفط مؤخرا.. متجاهلين دورة سوق النفط، وتوازن العرض والطلب، وما تمليه ضرورات المرحلة. ومن المعلوم أن فترات الانخفاض لأسعار النفط تعد محل ترحيب للدول المستهلكة، وذلك باستغلالها في خفض الضرائب، وتحرير السيولة النقدية للإنفاق العام. وهنا لا بد من القول: إن انخفاض الأسعار خلال العشرين شهرا الماضية أثر تأثيرا إيجابيا في زيادة الطلب على النفط، وخصوصا في الدول المستهلكة أو دول (OECD)، وذلك تبعا للعرض والطلب، وهذا بالضرورة سيكون من نتائجه نمو الطلب العالمي في الخمس السنوات القادمة (المدى القريب)، وذلك تبعا لأحدث دراسة لتوقعات الطاقة إلى عام 2035 والتي قامت بها شركة البترول البريطانية (BP)، والتي أشارت إلى أن النمو في الاقتصاد العالمي يعني أن هناك حاجة إلى المزيد من الطاقة، وأن نسبة زيادة استهلاك الطاقة ستصل إلى 34٪ بين عامي 2014 و 2035. وبناء عليه فإن الطلب العالمي على الطاقة سيزيد بنسبة 34% مدفوعا بالنمو السكاني، ونمو الاقتصاد العالمي، حيث إن الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) ستبقى المصادر الأهم للطاقة بنسبة 80% من إمدادات الطاقة في عام 2035. وعلى المدى الطويل، فإن فوائد انخفاض أسعار النفط الحالي تعتبر محفّزا للاقتصاد العالمي من خلال العمل مع تكيف الأسواق والمستهلكين بالاستجابة إلى زيادة الإنفاق، ويقع ذلك رغم استمرار تراجع أسعار النفط لمدة أطول من توقعات كثير من المراقبين، حيث انه لا يوجد حاليا أية نهاية واضحة في الأفق لهذا الانخفاض. وهذا بالرغم من إصرار الاقتصاديين على أن التقلبات في أسعار النفط قد أدت إلى تعثر مجموعة من القرارات الاقتصادية، مما يعوق النفقات الرأسمالية ليس فقط في مجال النفط والغاز، ولكن أيضا في الصناعات ذات الصلة والاقتصاد بشكل عام. ولعل أبرز مثال على ذلك أن الصين استفادت من انخفاض أسعار النفط وقللت الدعم عن الوقود. ومع ذلك فإن انخفاض أسعار النفط الذي كان من المفترض أن ينعش اقتصاد الصين والتي تعتبر ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، إلا أن الصين تمر بتباطؤ اقتصادي!! وهذا يؤكد تحليل بعض الاقتصاديين أنه «لو كانت أسعار النفط لا تزال فوق الـ 100 دولار للبرميل لكان العالم حاليا ربما يعاني من حالة ركود اقتصادي حاد»!!! وخلاصة التحليل السابق هو السؤال المهم.. «إلى أين تتجه أسعار النفط»؟؟؟؟ في تصوري أن الإجابة عن هذا السؤال ذات احتمالين: الأول: ربما يكون الانخفاض مخيبا للآمال لأن إعادة التوازن في السوق قد تستغرق وقتا أطول مما هو متوقع، مع وجود عوامل قد تعطل انتعاش أسعار النفط مثل عوامل الخدمات اللوجستية والتخزين لتوفير الإمكانيات لامتصاص الفائض الحالي والمتوقع من العرض. وهنا يكون أسوأ توقع تشاؤمي للأسعار هو توقع مجموعة «جولدمان ساكس» والذي يرى أن على أقل التقديرات فان فائض المعروض من النفط قد يصل بأسعار النفط كحد أدنى إلى 20 دولاراً للبرميل، وذلك بالرغم من أن معظم الخبراء يرون أن هذا التوقع مستبعد خصوصا بعد التوسعات الأخيرة في سعة التخزين العالمية، والزيادة في الطلب على النفط، وقلة الاستثمارات في مجال النفط ،والتي سوف تؤدي إلى نقص العرض. الثاني: وهو الجانب المتفائل والذي يحب الجميع سماعه، وهو: أن الأسوأ قد انتهى.. والنقاد يرون أن أسعار مزيج برنت في المتوسط قد تلامس الـ 50 دولارا للبرميل في هذا العام، وخام غرب تكساس ممكن أن يصعد إلى 45 دولارا للبرميل. ومؤخرا صعدت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في هذا العام 2016 وذلك بسبب التدهور الحاد في الأوضاع المالية لمنتجي النفط غير التقليدي (الصخري) ما أدى إلى خفض توقعات إمدادات النفط العالمية وبالتالي تسبب في توقعات بأن الطلب يمكن أن يفوق العرض بسبب قلة الإمدادات. وذكر التقرير الأسبوعي لشركة بيكر هيوز الأمريكية، وهي واحدة من أكبر شركات خدمات حقول النفط في العالم، ان عدد منصات الحفر في الولايات المتحدة الأمريكية وصل إلى 489 منصة وهو أدنى مستوى منذ تاريخ 24 ابريل عام 1999. وباتباع نفس الاتجاه في انخفاض الإنتاج وان كانت هذه المنصات المتناقصة صغيرة ولا تؤثر على انخفاض الإنتاج بشكل كبير، فمازال إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية سوف يتأثر تدريجيا وينخفض ما يقارب من 2 مليون برميل يوميا بحلول عام 2017 أو 2018، وهذا من شأنه أن يحدث عجزا كبيرا في إمدادات النفط.. وسوف يكون من البديهي حينها ارتفاع أسعار النفط. التحليل والفرضية هذه هناك من يرفضهما وذلك لأن تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر فبراير وصف الوضع بالتشائمي: بأن العالم يعج بالنفط، وأن هناك مخاطر من هبوط حاد في أسعار النفط، وأن من الصعب أن نرى كيف يمكن أن ترتفع الأسعار على المدى القصير وذلك بسبب تخمة المعروض من النفط. ورغم ذلك فإن خام برنت ارتفع 28٪ منذ نشر هذا التقرير الشهر الماضي.. لأن أسواق النفط حساسة جدا لتوقعات إمدادات النفط القاتمة والتي أدت إلى زيادة أسعار النفط مؤخرا حيث ان بعض البنوك الدولية ترى أن خام برنت سوف يرتفع إلى 66 دولاراً في الربع الرابع من هذا العام. فأين هي صحة توقعات وكالة الطاقة الدولية حتى على المدى القصير؟! وبالرغم من كل ما سبق لا يمكن أن نجزم أو نعتمد على أي توقعات لأسعار النفط لأنها تخضع لتقلبات سوق النفط الذي يتأثر بعوامل كثيرة منها السلم والحرب والمفاجأة من العرض والطلب وتوتر واستقرار سياسي وما إلى ذلك من عوامل أخرى.. حيث إن سوق النفط لا يستطيع أحد التكهن بتقلباته وإن كثرت التوقعات والدراسات فإنها على أساسات نظرية بحتة تحتمل الخطأ أكثر من احتمالها للصواب. ولعلي استطرد هنا فأقول، أين هي دراسات توقعات الطاقة والأسعار والتي قامت بها كبرى البنوك الدولية، وشركات النفط العالمية، والوكالات الدولية في أعوام 2010، 2011، 2012 و 2013 عندما كان سعر النفط فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل.. مقارنة بدراسات توقعاتهم بعد الانخفاض الحاد لأسعار النفط في أعوام 2014 و 2015؟!!!! ولعل أبرز مثال على فشل كل تلك التوقعات النظرية في التنبؤ هو: ان ارتفاع أسعار النفط في أعوام 2010، 2011، 2012 و 2013 ساعد الاستثمار والتطور التكنولوجي الذي أدخل إمدادات جديدة من النفط غير تقليدي (الصخري) إلى سوق النفط والذي أدى إلى تخمة إمدادات النفط وأثر على توازن العرض والطلب في أسواق النفط العالمية، وأدى إلى تبني استراتيجية حصة السوق. ولكن هل تنبأ أحد بذلك من قبل؟؟؟! إذا كان الجواب بالنفي فما الجدوى من كل دراسات توقعات الطاقة وأسعار النفط عند ثبوتية عدم جدواها؟!!!. أليس من المسلم به أن رجحان العمل إنما يتحقق برجحان عاقبته! مرفق منحنى تاريخي يبين تقلبات أسعار النفط مع العوامل الاقتصادية والسياسية التي أثرت على أسعار النفط منذ بداية صناعة النفط إلى عام 2015 ميلادية. كما هو مرفق منحنى سعر خام برنت من شهر يناير 2014 إلى شهر يناير 2016 حيث يوضح هذا المنحنى الهبوط الحاد في أسعار النفط على مدى العشرين شهر الماضية. وأخيرا....... مرفق أيضا بيانات للاستثمارات العالمية في النفط والغاز من عام 2005 إلى عام 2015، حيث يبين كيف هوت استثمارات النفط في عام 2015 بنسبة 20% منها 40% في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا سوف يؤدي بالتأكيد إلى نقص إمدادات النفط على المدى القصير، وبالتالي إلى إعادة توازن العرض والطلب في سوق النفط، ومن ثم إلى ارتفاع أسعار النفط ولكن لن نرى مستويات تصل الـ 100 دولار للبرميل مجددا إلا إذا فاقت تقلبات أسواق النفط كل التوقعات!!. وربما يكون لسان حال من وثق بدراسات توقعات الطاقة وحدد مسارات اقتصاده وفقا لها أو حتى استمع إلى هجوم الاقتصاديين النظريين على استراتيجية حصة السوق: إلى الماء يسعى من يغص بلُقمةٍ فقل أين يسعى من يغص بماءِ ؟!