شركة مقاولات حكومية

شركة مقاولات حكومية

الاحد ٧ / ٠٢ / ٢٠١٦
شهدت المملكة العربية السعودية طفرتين كبيرتين، الأولى كانت في متوسط السبعينات والثمانينات. حيث قفزت أسعار البترول من 3 دولارات إلى 12 دولارا للبرميل أي أربعة أضعاف، وذلك بسبب الأحداث بالشرق الأوسط في فترة السبعينات. ثم تخطت الـ 30 دولارا للبرميل في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات؛ إثر الأحداث الدولية. كل هذا كان له مردود إيجابي على إيرادات الدولة وزيادة الميزانية السعودية، فتحولت ميزانية الدولة من الملايين إلى المليارات. وقد استغلت الدولة هذه الأموال في بناء البشر والحجر. فقد كانت الدولة تعتبر حديثة عهد وكان ينقصها كثير من المرافق الحيوية من جامعات ومستشفيات ومطارات وطرق تربط مدن المملكة المترامية الأطراف بعضها ببعض. وقد كان هدف الدولة في ذلك الوقت تطبيق الخطط الخمسية، والتي كانت تواكب الخطة الثانية والثالثة التي وضعها الملك فيصل -رحمه الله-؛ لتنويع الاقتصاد وبناء دولة عصرية، ونقل الدولة من دولة نامية إلى مصاف الدول المتحضرة، وبناء المواطن الصالح والحرص على رفاهيته. وقد قدرت مصاريف تكلفة بناء البنية التحتية في الخطة الثانية حوالي 500 مليار ريال، والخطة الثالثة حوالى 800 مليار ريال. كل هذه الأموال ذهبت إلى شركات عالمية كبرى، ساعدت في بناء مشاريع الدولة على سبيل المثال مثل: شركة المقاولات (بكتل) التي بنت مطار الملك خالد، والذي لا يزال قائما إلى الآن بشكله الجميل وتحفته المعمارية الأنيقة، كما ساهمت الشركات السعودية الوطنية التي كانت حديثة عهد بعمل المقاولات في جزء من النهضة في الطفرة الأولى. أما الطفرة الثانية، فقد بدأت في عام 2003 إلى -تقريبا- عام 2015م، وكانت هذه الطفرة أكبر وأطول من الطفرة الأولى، وانهالت على الدولة مئات المليارات التي استخدمتها الدولة في إكمال عملية التنمية. فبنت خلال هذه الطفرة حوالي 30 جامعة كانت من أكبرها جامعة الأميرة نورة، التي أوكلت إلى شركات وطنية بتكلفة يعتبرها البعض مبالغا فيها، حيث كلفت ما يقارب الأربعين مليارا، وهو مبلغ عال جدا، كما ساهمت شركات مقاولات أجنبية مثل: الشركات الصينية في بناء آلاف المدارس، ونجحت في بعض المشاريع وفشلت في الأخرى، كما أوكلت للشركات التركية بناء وتوسيع المطارات، والشركات اليابانية بناء المحطات الكهربائية، والشركات الكورية بناء المصافي والمصانع، والشركات الفرنسية في إنشاء شبكة قطارات داخلية. لا شك أن هذه المشاريع ساهمت وستساهم في تطوير البلد وتحريك الاقتصاد. إلا أن الدورة الاقتصادية في هذه الطريقة لا تكتمل، حيث إن جزءا كبيرا من هذه الأموال التي حصلت عليها الشركات الأجنبية ذهبت خارج البلد، وكان عزاؤنا في شركات المقاولات الوطنية؛ لأنها ساهمت بشكل إيجابي في بناء النهضة السعودية الأولى. لكن في الطفرة الثانية وفي النهضة الثانية كانت الشركات السعودية دون المأمول، حيث لم تستطع التطور وكان جل اهتمامها الأرباح العالية والعمل الرديء. وقد استفادت من التشريعات التي وضعتها الدولة في طرد المنافسين الأجانب في بعض المشاريع التي كانت حكرا عليها، فانفردت شركات معدودة صاحبة نفوذ في الحصول على المشاريع بأسعار مبالغ فيها جدا، في المقابل لم تقدم هذه الشركات أي عمل لخدمة المجتمع، بل بالعكس بعضها كان يحارب البرنامج الوطني للسعودة، فتجد كل موظفيها الإداريين والمهندسين هم من الأجانب. ولذلك، أصبحت الأموال التي يحصلون عليها حكرا على ملاك هذه الشركات التي عادة تكون شركات عائلية وتستثمر أموالها خارج البلاد. فلم يستفد منها الاقتصاد الوطني لتوظيف ابنائنا السعوديين ولا بمدخراتها التي تتنوع في استثمارات خارجية، لا تفيد الاقتصاد الوطني، أو شراء الأراضي وحجرها وممارسة المضاربة فيها ورفعها عن المواطنين. وهنا، نقول لو كانت هناك شركة مقاولات حكومية مساهمة بين الشعب والحكومة، مثل الشركات الصناعية سابك أو الاتصالات السعودية أو ما شابهها. بذلك نضمن عدم الفساد المالي، وان المشاريع التي تطرح ستقيم بسعر عادل؛ لأنها شركات حكومية، وبالتالي لن تمارس الغش على الحكومة، ونضمن الجودة العالية، وكذلك نضمن التوظيف لأبنائنا المهندسين والفنيين والحرفيين. كما إننا بحاجة إلى شركة مقاولات وطنية متعددة المهام، تستطيع بناء ما نحتاجه خلال المئة سنة القادمة، من مطارات ومحطات طاقة ومصانع وجامعات ومدارس وسدود، وأن نستغني عن الشركات الأجنبية، كما ستساهم هذه الشركة في تنويع مصادر الدخل خصوصا إذا كانت على مستوى من الكفاءة. حيث ستستطيع المنافسة على المشاريع العالمية في الدول الأخرى وخصوصا الدول العربية والدول النامية. نتمنى أن نرى هذه الشركة على أرض الواقع في القريب العاجل.