رفع الدعم: نحو تقليل الهدر

رفع الدعم: نحو تقليل الهدر

رفع الدعم: نحو تقليل الهدر

الأربعاء ٢٧ / ٠١ / ٢٠١٦
تداول الناس خبر رفع الدعم عن أسعار الطاقة بشيء من التشاؤم والجزع، وارتفعت الأصوات المعارضة لهذا القرار الذي يرون أنه قد يطال دخلهم ويعرضه للتآكل بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. تحدث الكثير من الاقتصاديين المحليين والدوليين على أهمية إعادة النظر في دعم أسعار الطاقة؛ لكونها المسبب الرئيسي لاستنزاف هذه الطاقة بسبب تدني تكلفتها وقلة الوعي لدى مستخدميها. في المقابل، يرى البعض الآخر أن رفع الدعم يعد استنزافاً لذوي الدخل المحدود، والذين يعدون هذا الدعم بمثابة المنقذ لتكلفة الاستهلاك التي تشكل جزءاً كبيراً من دخلهم البسيط. بالنظر إلى الوضع الراهن، فإننا نرى أن أزمة الوعي هي ما تجعل من رفع أسعار الطاقة شيئاً سلبياً، فنحن كمستهلكين نقدم رسالة تقول فحواها إننا نتذمر من ارتفاع الأسعار، وأننا رافضون لرفع هذا الدعم، مما يعني إصرارنا على عدم تغيير عاداتنا السلبية في استهلاك الطاقة. لإثبات ذلك، يمكننا القيام برصد عاداتنا الاستهلاكية من خلال ملاحظة ما يدور حولنا في حياتنا اليومية. تقود سيارتك خارجاً من منزلك لقضاء حاجة معينة، فترى نفسك واقعاً في ازدحام مروري لا نهاية له. في وقت انتظارك لانتهاء الاختناق المروري، التفت يميناً فستجد شاباً لا يتجاوز عمره 18 عاماً، خارجاً مع أصدقائه لقضاء يومهم بالطريقة المعتادة، وهي قيادة السيارة بلا هدف، والوقوف في محطة الوقود للتزود بالبنزين وإكمال القيادة بغير هدى. على سبيل المثال، من خلال النظر إلى بيت قريب لي، والذي لديه 3 أولاد أعمارهم لا تتجاوز 25 عاماً يملكون سياراتهم الخاصة، بالإضافة إلى سيارة قريبي وسيارة العائلة التي يقودها السائق وسيارة احتياطية للطوارئ. إذا كان منزل واحد في مدينة الرياض يحتوي على 6 سيارات تستهلك كل منها ما هو أقل من 9 كيلومترات لكل لتر من البنزين، مما يعني استنزافاً غير مبرر للوقود. من خلال رصد "بدائي" نستطيع جميعنا أن نقوم به، سنجد أننا نسرف وبشكل مؤسف في استخدام الطاقة الكهربائية؛ وذلك نظراً لانخفاض أسعارها الاستهلاكية، لدرجة تجعل من ترشيدنا شيئاً مستحيلاً. على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الكثير من البيوت في المملكة لا تكترث بنوع الإضاءة المستخدمة في إنارة المنزل، والتي قد تكون من النوع المستهلك للكهرباء بشكل كبير. يتجاوز الأمر ذلك إلى عدم اكتراث أرباب الأسر بمدة كفاءة الجهاز الكهربائي المراد شراؤه من ناحية الاقتصاد في الاستهلاك، فتجد أن الثلاجة المشتراة، أو المكيفات المستخدمة تستهلك أضعافاً من الكهرباء مقارنة بأخرى مثيلة لها. يعود السبب في عدم الاكتراث بكفاءة الاستهلاك الكهربائي للسلع المشتراة لقلة الوعي الاستهلاكي، وعدم استيعاب فكرة نضوب الطاقة المشغلة للكهرباء، وهي الوقود النفطي. بمرورنا على أحد الطرق الرئيسية في الرياض، سنجد أن الغالبية العظمى من المباني الموزعة على أطراف الطريق لا تطبق مبدأ الترشيد في استخدام الكهرباء؛ لكون التعرفة المطبقة لا تؤثر بشكل كبير على قائمة المدفوعات المحاسبية للشركات الشاغلة لهذه المباني؛ كونها مدعومة من قبل الحكومة، وهذا يعني أن قلة الوعي لا تتركز على الأفراد فحسب، بل تتجاوزها إلى الأشخاص الاعتباريين كالشركات والمؤسسات. تتنبأ دراسات المركز السعودي لكفاءة الطاقة "كفاءة" بأن الطلب الكلي على الطاقة في المملكة سيتزايد بأكثر من 50% عند حلول عام 2030م، مما ينبئ بأن السلوك الحالي في استخدام الطاقة سيقود إلى تفاقم الطلب على سلع الطاقة بشكل سلبي وغير مبرر. وتشير التقارير المحلية إلى أن الاستهلاك المحلي للطاقة في المملكة يقود الدولة إلى استنزاف حوالي 4 ملايين ونصف المليون برميل من النفط يوميا لتغطية الطلب اليومي للطاقة كالوقود والكهرباء. من خلال سياسة رفع الدعم عن أسعار الوقود والطاقة، فإن ذلك سيخلق توفيراً يفوق 30 مليار ريال للسنة، كان من الممكن أن يكون ثقلاً على كاهل الاقتصاد المحلي. ولكن في المقابل، يجب أن لا ننسى الدور المطلوب من الدولة في تحقيق البدائل المناسبة، والتي تخلق فرصاً أقل تكلفة في استخدام الطاقة، كالرقابة على السلع الكهربائية، ومنع دخول تلك التي تستهلك من الطاقة بشكل فوق المعدلات المنطقية. بل يجب أن يتجاوز دور الدولة الرقابة إلى خلق بدائل للنقل الحالي، من خلال توفير وسائل النقل عالية الجودة كالمترو والباصات، والتي تضمن كلفة أقل على الفرد وفرصة بديلة لاستخدام السيارة.
المزيد من المقالات
x