بحسب إحصائيات غير بعيدة عن هذا القرن للسكان في العالم، يوجد في العالم حوالي 6 مليارات نسمة، منهم حوالي مليار إنسان جائع يعيش تحت خط الفقر. وتقارير منظمة الفاو تؤكد من ذلك الوقت فصاعدا أن عدد الجوعى في تزايد. لكن مخاوف افتراضية لم ترجح بعد أن هذه الزيادة يمكن أن تتطور الى أن يمثل عدد الجوعى في احدى النقاط المستقبلية للتاريخ نصف سكان الأرضية فتحدث الكارثة، لأنّه ببساطة إذا لم يجد الجوعى ما يأكلونه فسوف يلتهمون الفئة التي شبعت وبذلك يفنى العالم !!
في أواخر السبعينيات كان الجوعى يتوزعون على خارطة العالم الثالث، ومع تغير الكثير من معادلات السياسة الدولية، وإستشراء الكساد ودخول الفساد الإداري الى عمق مقايضات التجارة، زادت رقعة الجوعى قليلا.. قليلا في ظل التسابق الى التسلح، ودخلت مناطق لم يكن خبراء الإحصائيات الدولية يتوقعون أن تغزوها المجاعة، فحتّى في بعض الدول الصناعية والكبيرة التي كانت بمنأى تقريبي عن الجوع سابقا وصلها الجوع، وأستوطن حواسها لأكثر من عقد زمان ونصف حتى بالكاد استطاعت تلك المجتمعات الانسانية اعادة توظيف مقدراتها لكي تحرر ما لا يقل عن سدس الكرة الأرضية من الوقوع فريسة لانعكاسات فقر متبوع بجوع ومذلة.
ولكن على أية حال، فنتيجة الزيادات السكانية وانتشار الفساد الإداري وقلة الموارد الطبيعية وهجرة الريف وندرة الأمطار يشتعل الفقر في كل مكان من العالم?
وفي النهاية لكي يهدأ الكابوس لا بد من أن يحافظ السياسيون وخبراء الاقتصاد على معدلات الفقر بنموها الطبيعي دون زيادة، لأن الزيادة معناها أنّ ثمة التهابا سوف يشتعل في مكان ما من العالم?
وطبعا فالجوع هو أبو المصائب، فالإنسان يتقبّل الكوارث ويتعامل مع المآسي، ولكنه لا يستطيع أن يستخدم أي نوع من الحكمة في التعامل مع الجوع، ولذلك يُقال انّ الفقر هو أبو الجريمة?.. وما من جريمة افتراضية أكثر من أن ظهور جائع جديد سوف يعني بشكل او آخر تهديد لشابع جديد بسقوطه آيلا للأكل بين يدي الجائع !!
الكثير من الناس هنا وفي أماكن أخرى من العالم تابعوا من خلال الأخبار ومواقع رقمية أخرى قضية المواطن السعودي التركي مع القضاء الأمريكي. وفي الآونة الأخيرة، بعد اعتقاله منذ الأول من يونيو/ قبل حوالي عامين، ظهر التركي من خلال إحدى قنوات البث العربي، وتحدث بما فيه الكفاية مدافعا عن نفسه، وشارحا للرأى العام خلفية التهم التي زجوا حياته، بناء عليها، بمحكومية سجن تصل لثلاثة عقود من الزمان الا قليلا، والمعنى أن القضاء الأمريكي يصادر حياة هذا الانسان جملة وتفصيلا على شيء لا دليل اليهم باثباته.
كل انسان تابع بعضا من تفاصيل هذه القضية يخرج بانطباع وفكرة وتصور، وأما الحقائق فلا توجد حقيقة يمكن للقانون أن يسدي من خلالها موقفا يدين جرما أو نطقا بحكم يعيد الحرية والكرامة الى من استلب منه بعضا من حقوق الانسان.
الخادمة الأندونيسية لم تتهم المواطن السعودي علنا بشىء من هذا القبيل، ولو حدث بعض من تلك التفاصيل، لما ترددوا في اقتباسها على متن الصحف والتلفاز والبلوتووث وكل وسائل نقل المعلومات، فيما يرى القائمون على القانون الأمريكي، على هامش القضية، أن الاعتداء الجنسي درجات، فهناك التحرش، ويمكن للتحرش أن يتطور الى لمس يفترض اجبار الطرف الثاني على الرد مكرها بمثلها، وهناك مرحلة اكثر خطورة من اللفظ واللمس.
هذه الأخيرة مشكلة كبيرة جدا، فقد تصل عقوبة السجن فيها الى 497 سنة، وللايضاح اكثر فهم يريدون أن يفهموا معشر الانس داخل أمريكا وخارج الأراضي الأمريكية، بغض النظر عن قضية المواطن السعودي، أن القانون الأمريكي يفترض في جرائم هتك العرض ما لا يفترضه في جرائم الاغتصاب متبوعا بالقتل أو التنكيل. ولكن ماذا عن قضية التركي، وهو بحسب ما رأينا واستمعنا اليه، كما فهمنا من خلال اللقاءات مع اطراف أمريكية اخرى ذات صلة بالقضية، أنه لم يقترف أو ينتهك شيئا من هذا القبيل، ولا يوجد دليل مادي يثبت ما يريدون حمل الرجل على الاعتراف به أو اليه.
ها هي تي الخادمة ذهبت مع امريكي من اصل عربي آخر غير سعودي، وبعد ذلك تركها العربي الآخر كما يترك الأمريكيون بالملايين صديقاتهم القديمات ويذهبون مع أخريات، وللواقع فالقانون الأمريكي لا يحاسب رجلا رقد مع صديقته، كما أنه لا يحاسب رجلا ترك صديقته أو هجر زوجته، ولذلك عندما اتصل أحد الأجهزة الاعلامية بالرجل الآخر بحثا عن خيط يقودهم الى شيء آخر، نهرهم الرجل وقال لهم ( أنا أمريكي وأعمل الشيء الذي أريده)، هذا عدا لفظ آخر غير جدير بالذكر.
وما هو أكثر انسجاما مع هذا وذاك أن القانون في عموم دول الغرب الصناعي مدعوما بالقضاء لا يجرّم عمل الزنا من أساسه، وهذه هي الحقيقة، وبمعنى آخر فمالم تتقدم الخادمة بشكوى الى جهاز أمريكي يمتلك الاختصاص بمباشرة الدعوى، ومالم تتقدم الخادمة بشكوى الى سفارة بلادها في أمريكا توضح فيها ما تريد ايضاحه، تنعدم المسوغات القانونية لقيام هذه الدعوى من أساسها، اذ كيف تعرف جهة ذات اختصاص بالاطلاع والمباشرة، مالم يكن لديها أساس ما تركن اليه من دعوى بجرم. ومما هو أكثر احراجا من هذه وتلك أن الحكومة الأمريكية مدعومة بأجهزة التحريات والأمن وضعت رأسها برأس المواطن السعودي الذي لا ناقة له ولا جمل في قضية يعتبرونها مستديمة لافتراضهم باستمرارية التحرش على مدى ارتباط الخادمة بعقد عمل داخل بيت المواطن السعودي. أيها السعوديون: لا تصطحبوا معكم خادمات الى عموم دول الغرب الأمريكي، والا فكل انسان سوف يحمل نصيبا اليه من جرم غير مشهود.
لقد وضعوا رأسهم برأس هذا المواطن، لأنهم بصراحة لا يوجد لديهم عمل حقيقي يقومون به، اذ لو كان لديهم عمل حقيقي آخر، فبامكانهم اصدار قرار ابعاد للمتهم، وذلك باخراجه من البلاد ترحيلا بدعوى عدم رغبة الحكومة الأمريكية بوجود المتهم على أراضيها، ولكم دينكم ولي دين، وبصراحة أنام في بلادي وأحب من أحب وأعادي من أعادي، فعلى أقل تقدير لا يستطيع احد تهديدي زورا بالخادمة ولا ابتزازي ترويعا بابنة عم الخادمة، وقال أيه، قال: خادمة، وياغافل لك الله،
hakeam@hotmail.com
لظاهرة العشق ميكانيزم اقتصادي، ولكننا مع الأسف الشديد نحرق في حياتنا العاطفية جزءا كبيرا من هذه الطاقة دون أن نجرؤ على الكلام عنها. العشق مثلا هو أحد صور الاحتكار العاطفي، فالعاشق مثلا يحتكر كل شيء في حياة الآخرين، ويدعي أنه يمتلك حق التصرّف بشئون من يهوى، فيما يُفترض من الناحية الإنسانية أنه لا يمتلك منه شيئا البتّة. لكن لماذا تحب النّاس أن تعشق، وهل عندما يعشق هؤلاء النّاس يمارسون عاطفة محضة أو سلوكا اقتصاديا غير واعٍ بمضامينه الخفيّة. شخصيا لا أدري فقد كنت مشغولا بالبحث عن لقمة الخبز، ولا أزال أبحث، ولا يمكن للانسان أن يتناول حالتين أو يسمح لحالتين بأن تتناولاه في وقت واحد، وهكذا ما عشقت ولا دريت، لكن عاشقين رائعين قرأت لهم واليهم وآخرين سمعت واستمعت اليهم أو ربما عرفت فئة منهم يقولون أو ربما قيل ويقال انهم يمارسون قدرا كبيرا من ميكانيزم الأنانية التي تؤدي إلى التفريغ العاطفي، ونتيجة لذلك فهم يرتقون إلى درجة التوحّد بمن يحبون من النّاس. قد يبدو هذا الكلام صحيحا، ولكن حتّى كونه كذلك فهو لا يدل على أكثر من كون المسألة تتناول حوارا من جانب واحد أو لنقل انه اعتقال صريح لانتباه الآخرين بدعوى التوحّد.
وعلى هذا الأساس فالعشق هو سلوك احتكاري، لكن النّاس لا تقول عنه احتكارا، وإنّما تسميه شغفا أو هياما. وعلى أية حال فالشاعر الذي قال:
(أغار عليها من أبيها وأمها)
لا ريب في أنه شاعر رائع ومخادع في الوقت نفسه، فهو يطابق بين قيمتين: الأولى عاطفية والأُخرى اقتصادية، والمعنىِ أنه يريد أن يدخر كل جماليات من يحب لنفسه. وهذا شيء استفزازي أن نرى سلوكا اقتصاديا يعبّر عن نفسه من خلال لغة يثبت فيها الفنّان لنفسه دعوى الاحتكار. غير أن الاقتصاد في حياتنا اليومية هو فن اختيار الأنسب، وعلى هذا الأساس فلا يمكن أن يختار شاعر شاب عجوزا لكي يتغزّل بها. إنّه فقط يختار أشياء تفيض أنوثة لأسباب جمالية ونفعية في الظاهر، ولكنها اقتصادية في العمق. ثم لنترك ذلك كلّه جانبا ونتحدّث قليلا عن الغزل بوصفه دافعا للعشق.
لماذا يمتلك الرجال مبادرة العشق أكثر من النّساء فيما لا يمثل النساء في القيم الاجتماعية لتراث لغزل سوى ضحايا وقعن في الأسر... لدرجة أن الراقيات منهن والأرستقراطيات يقعن فريسة لمخاوف الفضيحة، رغم كونهن لم يفعلن شيئا يستدعي العقوبة.
في اعتقادي أن العشق من الناحية الاقتصادية هو أرقى مبادرات التعبير عن رغبة احتكار الآخر بدعوى الحب أو لنقل بدعوى العاطفة.. أو لنقل من خلال عمق لا نراه بدافع التسلّط والقوة. ولكن لنترك ذلك كلّه ونتمعّن قليلا في كلمة الغزل. هذه الكلمة مثلا تدل على الصوت الذي يطلقه الغزال لحظة وقوعه في الأسر، ولحظة استشعاره انه محاصر من كل الجهات بجبروت من يخطط لاعتقاله بدعوى الحب. ومن هنا فالغزل هو لغة التوسل بطابع الاستنجاد طلبا للعتق والرحمة، وفي نفس الوقت فالغزل في أدبيات التراث الشرقي يتناول توسّل الغزال في أن يطلق الصيّاد سراحه من الأسر. وعلى هذا الأساس ليس هناك في قضايا الغزل أية مضامين تدل على التوحّد برغبة الطرفين. فمن أين جاءت إلينا كل القيم التي يوحي بها إلينا الشعر وأدبيات الغواية وقصص الرومانس برسم أدبيات التساكن أو العشرة بين طرفين في ذاكرة الغرب.
بوصفي متأملا غير متفرّغ للجانب الاجتماعي في الأدب، وقارئا للكتب، لا أدري. ومع ذلك أرى بصفة شخصية أنّ كثيرا من شعراء الغزل، الا ما ندر تسكنهم غواية التزييف في الرؤية، والبهللة في الممارسة. باختصار شديد هؤلاء النّاس، من خلال الفن، تحايلوا على فجيعة الغزال بعذابه الروحي، فجعلوا منه صوتا يستنطق لذة الوقوع في الأسر، واسقطوا عليه بهجة حالمة تتفجّر حوارات برسم الأنوثة تارة، وتارة أخرى تألّقا يُستضاء فيضيء. وهذه الحالة تكفينا دفئا وكهرباء.
hakeam@hotmail.com
يروي المصريون في أمثالهم الشعبية أن الجائع يحلم بسوق الخبز، وللروس تجربة أخرى اختصارها؛ مسّ قلبي، ولا تمس رغيفي. فالرغيف هو الحد الفاصل الذي يحدد المسافة بين من يجلس على المائدة وبين من يقابله على الطرف الآخر·
ومن قبل ذلك كلّه فالتجربة الحضارية والتراث الإنساني يؤكدان بشكل أو آخر أنّ الفقر كافر· وإلى اليوم فالنّاس ما زالوا يتداولون في مقاهي العالم العربي عبارات مثل: الله لا يرد الغلا، ولا كيّاله· ذات مرّة قال أحد الائمة الصالحين؛ لو كان الفقر رجلا لقتلته، لكن تلك أمة قد خلت، فلهم أعمالهم وفي التاريخ الحديث ما فيه تواصل بين الخبز وهموم الناس. اذا عدنا الى مصر مرة أخرى، ففيها نجد أنه على أيام الرئيس الراحل أنور السادات، رحمه الله ارتفع ثمن الخبز ملاليم قليلة، فجنّ الكثير من النّاس، وخرجوا إلى الشوارع، وأحرق الدهماء السيارات في الشوارع، وخيّمت على البلاد سحابة فوضى لفترة يقال إنها وجيزة من الوقت· وللواقع فمعظم المشاكل في العالم تخرج من الفرن، وتعود إلى الفرن مرّة أُخرى· فإذا استطاع من تعود اليه مسؤولية الخبز في اندونيسيا قديما بعض الشيء أن يضخ التموين اللازم إلى جوف الفرن، فمعناه أنّه ناجح في الموازنة بين أهدافه، وقناعة الجماهير· ومن كان ناجحا في إدارته لشؤون الخبز، فلا يمكن أن يهوي من سريره بسرعة بسبب هفوة خبز· وطبعا فالخبز هو بطل السيرة الشعبية في آسيا وأوروبا والبرازيل، فالثورة الفرنسية اندلعت من أزمة الخبز بحسب ما كتب أبطال التغيير للتاريخ. لقد أرادوا أن يقولوا للأجيال التي تأتي أن وفرة الخبز تصنع الاستقرار، والكلام عن الحريّة وعن الديمقراطية لا يبدأ من البرلمان، ولا يُصنع في المقهى، ولكنه يبدأ من وفرة الخبز ومواقد الأفران. والخبز شئنا أو أبينا هو أول محور للحقوق الإنسانية· وبدونه فلا يمكن الكلام عن أي شيء آخر·
وإلى وقت آخر في لبنان كان هناك شرارة حزن أسمها ثورة الجياع· ودائما ترتبط التغيرات السياسية بطفح الجوع، ولا يهم إن تحدثنا بصدد ذلك عن فرنسا أو البرازيل حيث نصب كثير من القرويين لأنفسهم مشانق عام 1995. لقد قتل القرويون البرازيليون أنفسهم شنقا على مشارف أحد القرى انتقاما من غلاء المعيشة، واعتراضا على الجوع· ولكن البرازيل ليست أندونيسيا·
وموقف سوهارتو مع جياع الأخيرة انه أستنفذ مالديه من دقيق وزيت وغاز، فقد ظلّ هذا الرجل يضخ في الفرن الإندونيسي الكثير من أقراص الخبز على مدى 32 عاما· ومن الطبيعي أنّ النّاس عندما يأكلون، يدخلون غرف النوم لكي يناموا بسلام· والقضية ببساطة شديدة أن سوهارتو لا يمتلك المعجزات، إذْ ليس بإمكانه أن يقول لهم وقتئذ ناموا جياعا، وسوف آتيكم بخبز ومخبازة في وقت آخر· فأنت بإمكانك أن تقنع النّاس أنّ الصبر من قيم الإيمان، ولكن في الوقت نفسه من الصعب أيضا على السياسة أن تسيطر على الملايين وهم في حالة بحث عن حلم يكتظ أفرانا وزيتا ودقيقا ينتهي بوفرة الخبز.
hakeam@hotmail.com
تشير احصائية قديمة بعض الشيء، فيما قبل ارتفاع الأرز إلى أننا نستورد ما لا يقل عن 750 ألف طن سنويا من الأرز، وبعملية حسابية فهذه الحقيقة معناها أننا ننفق تقريبا ما لا يقل عن 3 مليارات من الريالات سنويا للحصول على الأرز. كلّما تقدّم الزمن، سوف يزيد عدد السكّان، وبالتالي سوف ننفق أكثر لتوفير الأرز باعتباره وجبة رئيسة في بيوت طالها الفقر أو أخرى طالها جنون الثراء.
والكثير من النّاس، رغم وعيهم الأكيد بمدى الحاجة إلى الترشيد، فهم مازالوا إلى اليوم يتجنّبون بحساسية مفرطة بعض الشيء أن يكونوا طرفا في هذا المشروع، تماما وكأنّه جناية، وحتّى المطاعم الشعبية فهي لا تسأل المستهلك عند شراء القليل من اللحم الجاهز للاستهلاك الى مدى حاجته من الأرز قبل الغلاء. وإذا افترضنا أنّ النّاس على أكبر تقدير تستهلك ثلثي الاحتياج الشرائي فمعنى ذلك أنهم يقذفون بالثلث إلى أكياس الزبالة, وهذا الواقع الافتراضي معناه أننا نساهم ببساطة في ضياع مليار ريال، ناهيك عن فائض القيمة الأخيرة من ارتفاع الأسعار.
ومن الطبيعي في معادلة كهذه أن نواصل شراء الأرز، فيما ترتفع أسعاره في الأسواق الخارجية نتيجة كوارث السيول، اذ لا يستطيع مزارعو الهند ولا الباكستان السيطرة عليها. والقول دوما وأبدا هو: انّك لا تستغني عن الأرز، ولا علاقة لك بالكوارث المناخية في الهند، ولا بالإجراءات الاقتصادية في أمريكا، فأنت تريده حاضرا أمامك عند تمام الساعة الثانية ظهرا، وتريده عند تمام الحادية عشرة ليلا، وهناك من يتناوله صباحا مع الغبش، وليس بالضرر أن تقدّر احتياجك الذي تريد أن تتناوله فعلا، ولا باحتياج الآخرين.
وطبعا يحق للأسواق الأجنبية في الهند وأمريكا وفيتنام أيضا وغيرها أن تستحدث المزيد من الإجراءات عفوية كانت أم مقصودة لكي تنتعش أسعار الأرز لصالح مداخيلها القومية، لأنّه من غير المعقول أن يصل سعر الأرز إلى سقف معين ويثبت عليه، فهم يعرفون جيدا أنّ الأرز هو نقطة ضعف المستهلك العربي، فهو أكيّل ولا يمكن أن يستعيض عنه بالخبز، ولو كان طازجا، وقد خرج لتوّه من التنوّر. وقصة الأرز تذكّرني بزيت الزيتون فقد ارتفع الزيت الإيطالي والأسباني، وغيرهما من الزيوت غير العربية، ثم حدث أن انهمرت التنزيلات في السوق، بسبب أنّ مراقبي السوق الأجنبية لاحظوا أنّ الكثير من المستهلكين انصرفوا لموالاة الزيت الطازج الآتي من جهة الشام فهو طبيعي وثقيل وأقل سعرا. ولذلك من الطبيعي أن تتراجع الأسعار الأجنبية الى حين اندلاع حرائق الصيف في غابات دول حزام الزيتون، هذا عدا التصحر الآخذ في التمدد في أوروبا ناحية الجنوب. والقصة وما فيها أن فيضانات الهند تؤثر علينا، وأن التصحر الجنوبي في دول حزام الزيتون وحرائق الغابات الأوروبية جنوبا يؤثر على جيوبنا،ومع ذلك فالكارثة هي أنّ الأرز ليس زيتا،ومشكلة الأرز أنّه ليس كالزيتون، وليس كالعسل، فقد أدمن الناس الأرز اكثر مما يستطيعون ادمان الزيتون بزيته أو من غير زيت!
hakeam@hotmail.com
في حياة المشاهير أحداث مثيرة وغير مثيرة وعبارات تليق بالجدل وأحيانا لا تليق، والناس اعتادوا على تقييم النجوم من خلال الأعمال التي تفرّد بها النجوم أو هكذا يتصورها الناس تفردا يعكس ماركة مسجلة، اذ ليس بالضرورة شئنا أو لا نريد أن تكون أعمال المشاهير رائعة أو تحمل موروثا أخلاقيا أو حتّى دلالات يجدر لها البقاء في الذاكرة. وهكذا فنحن ننظر إلى الشخصية أو العبارة المثيرة من ناحية واحدة. وليس من الضرورة أن تفضي بنا تلك الزاوية إلى ضالة منشودة أو حالة معقولة نفهم منها حياة النّاس أوجدوى العبارة.
وعلى هذا الأساس نحن نرتبط بعلاقة حميمية مع الوعي الطفولي، وعلى هذا الأساس أيضا تتطفل على أذهاننا صور لا نمتلك الجرأة على تغييرها حتّى لو التقينا النماذج أياها، وسمعنا منهم وأعجبنا بأقوالهم فإننا لا نتوقع الكثير، ولا نتخلى عن قناعات مسبقة حتّى لو كانت على خطأ. ليس هناك ما يفوق العقل الإنساني في أبسط صوره على ممارسة دور الكاسيت فهو كما يتوقّع يسمع . إنّه يعيش حالة استنفار عدائي جاهز. إنه تماما مثل سلاح في يد إنسان لا يعرف أكثر من احتمالية الجاهزية وممارسة التجاوزات بتحامل ومن غير تحامل أيضا.
أول مرّة في حياتي قبل بضع عقود من الزمان سمعت عن الزير سالم وعنترة وبخلاء الجاحظ وهبنقة. لكنني على يقين أن هبنقة عاش ومات وبقي حمقه مترسبا في عقلي الباطن. وفي حياتي لم أسمع عن معلم تساءل فيما إذا كانت هناك جوانب تراجيدية في حياة هذا الأحمق الذي مضى تماما كالمجانين دون أن يأسف عليه أحد. وكذلك الحال بالنسبة للسيد حنين. هذا الرجل يضرب به النّاس أو ربما بحذائه أو بمن يعثر على الحذاء المثل على خيبة الأمل من غير أن يصوّر لنا التاريخ شيئا عن الاحتقان النفسي الذي تصاعد في نفس حنين نتيجة الخيبة، وهو يعرف مسبقا أن من يحصل على حذائه فكأنما عاش بغير هدف أو عثر على متاع غير ذي نفع..
وكذلك الزير سالم اختفى من تاريخه كل شيء، ولم يبق سوى الخمر وغزل النساء، وحكاية قتله الأسد التي لا يزال عقلي يقاومها باستحياء من التراث دون القدرة على تكذيب المؤرخين. وكذلك هو التاريخ العادي بمعزل عن دراسة الفلسفة. إنّه يصوّر لنا الجانب الهزلي في حياة هؤلاء النّاس، وهو يحسب أنه يخدمهم، ويضيف إلى المعرفة رصيدا جديدا من المكتشفات الضائعة، فيما الحقيقة أنّه لا يضيف إلى الهزل أكثر من سخافة تصلح لقضاء ليلة في أمسة صيف عادي.
وكم من الحكايات التي ليست بالضرورة أن تكون جديرة بالتداول المعرفي تدخل إلى رؤوسنا كل يوم. والمشكلة أن كل النّاس يتمتعون بحريّة السؤال، فيما لا يمارس السؤال سوى قلّة من النّاس نسميّهم بجهل صغار العقول.
hakeam@hotmail.com
يعيش العالم أول ذعر بيئي حقيقي من نوعه، فالمؤشرات في كل مكان لا تبشر بخير. هو ذا الانسان يقف الآن في مواجهة أول حرب مناخية من نوعها. لقد بدأت الحرب في الخفاء منذ حوالي مائتي عام، ولأن الذين يأتون ويذهبون الى سدة صناع القرار ليسوا علماء، وقد لا تعنيهم مؤشرات العلم في شيء الا اذا أقتربت هذه المؤشرات من مصالحهم، فمن الطبيعي أن نتائج هذه الحرب بقيت في اضبارات العلم ولم تقترب من ذاكرة القرار.
يوجد لهذه الحرب توجهان، فالتوجه الأول أن نتائج ثاني أكسيد الكربون في تصاعد مستمر ضاغط على طبقات الجو العليا، نتيجة استخدام الوقود التقليدي، فمنذ اكتشاف النفط باستخداماته المتعددة لانتاج الطاقة، ناهك عن الغاز والفحم الحجري من قبل، ناهيك عن عمليات الحرق الثانوية لنتاجات الصناعة، وهذا كله يأتي في مقابل ارتكاب المجازر البيئية في عمق الغابات العملاقة التي اعتادت برحمة من الله وتقديره امتصاص الكميات المهولة لثاني أكسيد الكربون.
أول نتائج الحرب المناخية ظهرت منذ حوالي ربع قرن، فقد كثفت الصحافة العملاقة في الغرب من نشر تحقيقات تفيد أن الأرض تتجه فعلا ناحية الانتحار البيئي، وقد كان لمجلة التايم سبقا في هذا المجال منتصف الثمانينات، حيث استخدم المحرر العلمي وقتئذ كلمة نادرة الاستخدام لمنح التحقيق بعدا كارثيا، فاذا لم نكن نرى البعد الكارثي، فليس ذلك معناه أن العالم بمأمن عنه. لقد استخدم المحرر كلمة eco-cide وللواقع فكلمة الانتحار البيئي ببعدها اللغوي علميا كانت منذ فترة بين الحربين العالميتين مجرد افتراض، لا واقع. وبعكس الاحتمال الأول فها نحن نرى أول تطبيقات الحرب المناخية تؤتي أكلها في غرب أوربا وجنوب أوربا أيضا ناحية طوق حزام الزيتون.
هذا الحزام ربما يسمونه لاحقا بحزام الصحراء الأوربي، لأن التصحر كان موضوع نقاش وزراء البيئة الأوربيين قبل بضع سنوات. لقد لاحظ البيئيون في أوربا جنوبا قلة منسوب الأمطار، كما لاحظوا ارتفاع درجة الحرارة، ولاحظوا أيضا انتشار حرائق الغابات صيفا قد أدت الى اهدار جزء غير قليل من الثروات الطبيعية، وهكذا فمن الطبيعي أن تتدرج الحرب المناخية ناحية الغرب في هذه المرحلة.
الآن تسود المانيا مخاوف من ارتفاع منسوب مياه الراين بواقع ستة أمتار فأكثر، وهذا معناه أن هناك تسونامي الماني بحجم كارثة على مستوى الأمة الألمانية. لقد منعت الحكومة الألمانية ولوج أية سفن الى عمق الراين خوفا من أن تكون ممارسة الملاحة في نهر الراين مصدر فيضان ثانوي من نوعه. لقد عرفوا حقيقة هذه الحرب، ولذلك فهم لا يريدون تهيج اي تيار مائي، لأنهم يعرفون على مستوى النظرية أن التطبيق آت لا محالة، وفي الوقت نفسه فالبريطانيون لم يأخذوا غير أول حصة انجليزية من الفيضان الأوربي غربا.
هانحن قد رأينا دخول الخريف مبكرا في عمان، ابان الاعصار الجاري حصر خسائره من قبل الجهات المختصة في عمان، كما رأينا قبل يومين أو ثلاثة كيف داهم الفيضان شرق موريتانيا، وغير ذلك رأينا ماذا حل بالصومال، وغير الصومال آت في الطريق لا محالة واللهم حوالينا لا علينا، وشخصيا أعتقد من باب الحب، لا من باب الاستفزاز أن أصحاب الشاليهات في جدة يفترض عليهم عدم التمادي في الدخول بالدراجات النارية للتزلج لأكثر من ربع كيلو على أقل تقدير، مع مراعاة ترك البنات داخل الشاليهات احترازا لدخول أي تيار مائي هائج. وترى كل شيء ممكن، وكل شيء جائز..
hakeam@hotmail.com
قبل أربع سنوات تقريبا ظهر في أمريكا كتاب اسمه (أكاذيب العائلة) لمؤلفه كيفين فيليبس، وباختصار شديد فمؤلف الكتاب يتناول فضائح وممارسات خداع لآل بوش بهدف تعرية الواقع السياسي للرئيس أبا عن جد على مدى قرن من الزمان وثلاثة عقود أخرى. لكن بوش لم يسقط في الانتخابات التي أخذته الى فترة رئاسية ثانية، ويمكن وصف كتاب فضائح العائلة بأنه لم يسحب البساط من تحت أقدام الرئيس. وبقي الرئيس في مكانه يذهب ويأتي ويلقي الخطب والمواعظ على مدى ما يقارب أربع سنوات أخرى.
وللواقع فانه لا في أمريكا ولا في البحر الكاريبي باتت الفضائح أو قصص الفساد الاداري أو المالي تسقط أحدا أو تركله بالضربة القاضية. في تلك السنوات التي سبقت الجولة الثانية للرئيس الأمريكي كتب ناقد أمريكي اسمه مايكل اوريسك بأن مؤلف كتاب سلالة بوش الحاكمة يقف على أرضية صلبة وأنه لا يكذب مطلقا، فهو يعرف كل شيئ ويكتب كل شئ أيضا معتقدا أن تزكيته للمؤلف فيليبس سوف تطيح بالرئيس وأبيه وجده، وهكذا فمن المفترض أن يأتي رئيس ديمقراطي بديل يخلف الرئيس الممتلئ بالأكاذيب والثراء وغير ذلك من قيم لا يحبها الفكر الأمريكي المثالي النزعة أمام الناس، ولكن هذا الفكر بطبعه يموت تزلفا وهو في طريقه لقبض البترول والدولار وقضم الهمبرغر بجرعاته المفضلة من المشروبات الغازية.
الفكر في أمريكا لا يختلف في ماهيته ولا في تأثيره عن الفكر في أي مكان آخر. انه مجرد كلام واذا ما كان الدستور الديمقراطي يمنح حق الكلام للناس، فهو أيضا من ناحية أخرى يمنح آخرين الحق والشرعية فيما يفعلونه أو يجنونه بأرباح وغير أرباح. والقضية وما فيها باختصار شديد أن هناك فكرا يقوم على توجه وتوجه آخر يقوم على فكر، فالمؤلف مثلا يستطيع أن يكتب وأن يفكر، وبالطرف المقابل لا يستطيع أن يهبر شيئا غير ما تجود به عبارات الفكر، وأما السياسي، فلا توجد في أجندته ولا في مشاريعه غير الأعمال والافادة بقدر ما يستطيع من هذه الأعمال، ولذلك فهو يهبر بالقانون وهو في السليم دوما وأبدا، وبالطرف المقابل فهو لا يستطيع أن يتفرغ لأعمال الكتابة والفكر حتى يستقيل أو تنتهي فترته الرئاسية، فعندئذ يتجه للهبر بالتعاقد مع ناشرين من خلال كتابة المذكرات. ومن هنا فهو يأكل طلوعا ونزولا، وهذه ميزة الرئاسة لشئ لا يتوافر عليه الفكر في طوره العادي.
والقصة ببعد آخر حسب ما قرأت قديما أن الكاتب فيليبس كان جمهوريا متطلعا، ولأسباب شخصية ربما تتعلق بالهبر على الطريقة الأمريكية دخل مرحلة انشقاق واضح ضد الجمهوريين، وعرف أنه لا يستطيع أن يهبر اما لكبر اللقمة التي يريد ادخالها الى جوفه أو لصغر فمه فلجأ الى كتابة ما لا يقل عن 333 ورقة يؤكد من خلالها أن العائلة الموقرة برسم معرفة سابقة هي عبارة عن مجموعة أشرار أبا عن جد، وقد خدشوا الديمقراطية الأمريكية بما فيه الكفاية. والمسألة وما فيها أن القانون ضمن للكاتب أن يقول ما يريد، وبنفس المنطق فالرئيس أيضا يفعل ما يريد.. والقصة وما فيها بحسب المنطق الأمريكي أنه لا توجد قصة داخل هذه القصة منذ اربع سنوات، ومع اقتراب الانتخابات أو بعدها مرة أخرى فلا توجد حكاية ولا موعظة ولا شيئ من هذا القبيل.
hakeam@hotmail.com
في اليوم الواحد يلتقي الإنسان مئات الأشخاص بملامح متباينة في الشارع، وعلى متن كتب التاريخ.. ربّما على متن شاشات التلفزة، أو في أماكن العمل. لكنّ قلّة من هؤلاء النّاس يسيطرون على انتباهنا، ويثرون أفكارنا، ويحتلون بشكل أو آخر، ودون أدنى تفسير منطقي أماكن خاصة في نفوسنا، واهتمام من يتعامل معهم من الأشخاص الآخرين. بعض النّاس يصفون هؤلاء الأشخاص بكونهم يتمتعون بحضور طاغ. البعض يصنفونهم في قائمة الــــ(في. آ. بي).
تختلف دواعي تقدير النجوم، ومنح درجات الاستحقاق للشخصيات الراقية من مجتمع إلى مجتمع، ومن ثقافة إلى أُخرى. ومع ذلك فبعض النّاس يعتقدون أن المظهر الخارجي، بــــ>مقاييس طول فارع وقوة جسد<، يلعب الدور الأكبر في ترجمة كيان كتلة متحركة قد لا تزيد عن مائة كيلو غرام من الدم واللحم الخالص.
بعض النّاس يقرأون الملامح، ويعتقدون أن هناك علاقة أكيدة بين الملامح وما يختفي وراءها من طرق تعبير ذاتي في تأكيد الحضور على نحو فائق ومتفرّد. غير أنّ هذا لا يكفي لتفسير قوة الحضور.. فمثلا نحن العرب، لا يزال وجداننا مشغولا بمئات الشخصيات والحكايات التي تساهم بشكل أو آخر في تشكيل عقلياتنا عبر التاريخ. نحن مثلا، إلى الآن، لا نزال مُعجبين بعنتر بن شداد، ولا نقبل أية مزايدات عليه. وعندما نقرأ في كتب الحكايات عن عنتر واستبساله في هزيمة وقتل خصومه العرب الآخرين نفرح كثيرا مثل آبائنا لتساقط مئات القتلى تحت أقدامه. ومع ذلك فنحن نعجز عن التوفيق بين هذا الحضور وبين أن عنتر قد لا يكون بنفس ضخامة الجسد التي تداولتها حكاية التاريخ. لا أحد يعرف الحقائق على وجه التحديد، فربّما يكون عنتر ضئيل الحجم، وقد دفعت به المؤسسة الإعلامية لقبيلة بني عبس في أولى مراحلها البدائية إلى القمّة. ربّما يكون عنتر قد فتك بضعفاء النّاس، فضاعف الإعلام الجاهلي هذا الحدث ليوفر مادة خصبة لموائد الفخر والسهرة.
باختصار شديد لقد اختفت الوسيلة، وطفت النتيجة، فيما لن يشفع لحضور عنتر في وجداننا اليومي شئ من اللياقة البدنية. ربما تكون المسألة هي قوة قلب قذفت بجسده الضئيل وقتئذ إلى نجومية الشارع العربي.
ونفس التفسير قد يصدق في هذا العصر على جيفارا في أمريكا اللاتينية وعلى شخصية رامبو في التراث الأمريكي الحديث... فهذا الرجل ربّما يكون مادة صنعها خبراء الحرب النفسية في أمريكا لا لشيء سوى لتبرير وتعزيز السياسة الأمريكية في ذاكرة رجل الشارع الأمريكي من عقدة فيتنام وأخطاء أفغانستان والتورط في العراق، ولكن وفق أسلوب الرواية الهندية. وطبعا شاهد ملايين الناس قصة رامبو المنبثق أساسا عن أسطورة السوبرمان بقلب من الفولاذ في متاهات الأدغال في فيتنام ومن بعد ذلك ظهر رامبو في جبال أفغانستان وجعل الروس يبكون على اليوم الذي دخلوا فيه أفغانستان، ويجب أن يطل علينا هذه المرة في صورة سندباد يطير على بساط سحري فوق بغداد.
hakeam@hotmail.com
باشرت وزارة التعليم العالي الدخول في المرحلة الثالثة للابتعاث الخارجي، ويلاحظ المتابع لخطة سير برنامج خادم الحرمين للابتعاث الخارجي أن المرحلة الثالثة تميزت بانفتاحها على أفق أكاديمي أكثر انتشارا، فقد شملت المرحلة الثالثة جامعات لم تكن مدرجة في سياق مراحل سابقة، اذ تمكنت وزارة التعليم العالي، بعد موافقة مجلس الوزراء على النسخة الثالثة من مشروع الابتعاث الخارجي من استلحاق مناخات أكاديمية في دول لم تكن مدرجة في البرنامج الملكي للابتعاث الخارجي، فقد ظهرت دول مثل كندا وبريطانيا وهولندا والنمسا وايطاليا أيضا، هذا عدا أمريكا.. والرائع جدا في النسخة الثالثة للبرنامج الملكي للابتعاث الخارجي أن التوسع لم يقتصر على التوجه غربا، بل أيضا كان للشرق البعيد حضوره في مشروع البرنامج الملكي للابتعاث ممثلا في استراليا ونيوزلاندا ودول آسيوية أخرى.
وللواقع فلهذا الانتشار الجامعي حسناته، لأن تنوع الخيارات يثري البرنامج الملكي للابتعاث الخارجي، ناهيك عن كون الانتشار يفتح نوافذ جديدة لرغبات الطالب السعودي مبتعثا الى الخارج، ويجعله بمنأى عن ندرة الخيار بحسب خطته الدراسية المدرجة.
ومن هنا فالبرنامج الملكي في نسخته الثالثة لا يعتبر فرصة ذهبية للطالب السعودي الذي يحضر لمرحلتي الماجستير والدكتوراة فقط وانما تتوافر فيه أيضا نفس هذه الفرصة بابعادها المختلفة من ناحية تنوع الخيارات واطلاق العنان لرغبة الدارس في اختيار المناخ الأكاديمي الذي يتوافق مع ميوله ورغباته العلمية، وهو الخيار الذي سوف ينعكس بايجابية على ذاكرة الطالب وهي تتنامى في المستقبل من طور التحصيل الى طور الانتاج.
ويشكر القائمون في وزارة التعليم العالي على المضي قدما في تناولاتهم الادارية حيال التوسع في مشروع البرنامج الملكي للابتعاث الخارجي عبر هذه المرحلة وما يأتي أيضا من مراحل لاحقة باذن الله، لأن المرحلة الثالثة تعتبر ذروة التفكير البناء وفيها من الاجتهاد والمثابرة ما يثير الاعجاب وما يمكن الطالب السعودي من الوصول الى هدفه الأكاديمي بجدارة واقتدار.
ولهذه الأسباب وغيرها ممن لم تذكر بطيه، يفترض في الطالب السعودي أن يكون في مستوى الاستثمار الأمثل لانتهاز هذه الفرصة والاجهاز على برنامجه الأكاديمي بروية ومهل مع افتراض الاخلاص حيال عامل الجودة، لأن مشروع البرنامج الملكي لم يتوسع بهذه الأبعاد المثيرة الا من أجل أن يراعي الطالب بعد الجودة في تحصيله العلمي، وعلى أقل تقدير تكون وزارة التعليم العالي قد مارست أوجه الفلاح تناولا وتوسعا وادارة ومتابعة وتنسيقا من أجل تهيئتها مناخا مواتيا يسلك من خلاله الطالب محصلا، فلعلنا باذن الله نستعيده أستاذا متخصصا بطور التوجيه والرعاية والانتاج.
hakeam@hotmail.com