 |
شهر رمضان من المواسم التي يتكثف فيها الخطاب الوعظي الموجه لعامة المسلمين, ومع تزايد الدور الذي يمارسه الإعلام الفضائي ووسائل الاتصال الحديثة , وما يؤدي إليه ذلك من قولبة للسلوك الفردي والمجتمعي , أصبح الحديث عن ضرورة ترشيد هذا الخطاب الوعظي ضرورة ملحة من اجل تحقيق الغاية المنشودة من هذا الخطاب وهي ترغيب الناس بفعل الطاعات واجتناب المنكرات.
إن من أعظم الآفات التي ابتلي بها الخطاب الوعظي منذ قرون متطاولة , التركيز على الجزئي في مقابل التخلي عن الكلي , فالخطاب الوعظي موجه بأغلب موضوعاته إلى الحديث عن الفرد المسلم و أخطائه ومعاصيه دون الحديث عن نوع من المعاصي لا يتحقق وجودها في فرد واحد وإنما تتعداه إلى المجموع والى المجتمع كله , وهذه المعاصي التي يتم التركيز عليها تستدعى أوصافها ومحدداتها من التاريخ الإسلامي البعيد دون عرضها على ظروف العصر وتبدلاته وتحولاته , ويعضد هذا الخلل خلل آخر يتمثل في عدم التأمل في المعاصي المحدثة التي ربما يأتيها الكثيرون من الصالحين يظنونها فعلا مباحا لأنه لم يرد لها ذم في كتاب من كتب السلف القديمة.
إن التخلف الحضاري معصية كبرى , وربما كانت كبيرة من الكبائر , تستحق أن يوعظ الناس بالتخلي عنها وعن كل ما يؤدي إليها من سلوك مدني شائن , أو عادات متخلفة تكبل الفعل الحضاري وتعيق النهوض وتؤخر مسيرة البناء لأي مجتمع راغب في حيازة الحضارة والمعرفة , إن التخلف الحضاري معصية كبيرة لا تستطيع أن تشير إليها بسلوك متعين في شخص فلان ولكنها سلوك مجتمع بأكمله , وتنشأ من مقدمات كثيرة تتلاقى جميعها لتشكل في صورتها النهائية «ظاهرة التخلف الحضاري» . وان كان كشف هذه المقدمات وبيان شبكة القيم المنتجة للتخلف من واجب المفكرين والفقهاء , فان نقل هذا البيان , ونشره بين الناس , والتبشير به من واجبات الوعاظ الذين يدركون معنى النهوض والتقدم والقوة و الريادة .
ومن أمثلة هذه المعاصي الحضارية , التهوين من العلوم العصرية بكل أنواعها والتي بسببها حققت الدول الحديثة ريادتها الحضارية , خصوصا العلوم التي هي فرع على الفلسفة , كعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والنفس . كما أن من أمثلة هذه المعاصي الحضارية التي يجب التحذير من الوقوع فيها , معصية تفتيت المجتمعات الإسلامية إلى فرق وملل وطوائف متقاتلة تجعل من الحلم ببناء حضاري متماسك شيئا بعيد المنال مع وجود هذه الصراعات العميقة بين أبناء وطن واحد وملة واحده تحت ذرائع ودعاوي شتى. ومن أمثلة المعاصي الحضارية المدمرة , التمييز الاجتماعي والطبقي الذي يمنح فئات من المجتمع مميزات لا يمنحها لغيرها وهو ما يقود إلى ظلم كبير ولكنه ليس ظلم فرد لآخر وهو ما يتكثف الخطاب الوعظي في الحديث عنه , وإنما هو ظلم بنيوي معقد له آليات وديناميات تؤسسه وتحافظ عليه مع وجود صالحين وعادلين في ذواتهم ولكن صلاحهم وعدلهم لا يؤثر شيئا كبيرا في دفع هذه المعاصي وتغييرها .
ويتبع هذا الخطأ الأولي , خطأ الانهماك بالجزئي على حساب الكلي , خطأ لاحق يتمثل في عدم ترتيب الأولويات بمعايير الشريعة ومقاساتها لا بمعايير الأمزجة الشخصية والرغبات الفردية. فتجد الواعظ يركز في وعظه على مشاكل وسلوكيات ربما لو فحص بعضها بمعيار الشريعة الصافي لما عدت من المعاصي والآثام التي يحاسب عليها رب العباد . كما أن هناك من الوعاظ من يغلب التحذير من الخطيئة والمعصية على الترغيب في فعل الطاعات , و إذا ما تحدث عن الطاعات فانه يتجه إلى الطاعات الفردية المحضة التي لا يتعدى نفعها إلى المجتمع .
إن الخطاب الوعظي حتى تسلم له نتائجه , ويؤتي ثماره الحقيقية ينبغي أن يكون خطابا منهجيا يتأسس على ما يكشف عنه العقل الفقهي الحضاري لا أن يستقل هو في تحديد برنامج الوعظ وترتيب أولوياته.
bmajedb@hotmail.com |