 |
وهب الله امتنا العربية الكثير من الكنوز والموارد التي لم تنلها مجتمعة أمة غيرنا, فتنوعت بين الحضارية والثقافية والمادية, والدينية, والبشرية. وبالرغم من الطاقات البشرية الهائلة التي تحظى بها امتنا العربية, إلا أن هذه الطاقات أصبحت بفعل فاعل عالة على المجتمع, ومشكلة تسبب الأرق لكل الأنظمة العربية, جمهورية كانت أو ملكية, ديمقراطية أو دكتاتورية, ولا ادري أنحاسب الأنظمة أم نحاسب الرعية من الضائعين التائهين على طرقات الحياة.. الغريب أن هذه الطاقات تنمو وتزدهر وتكون سببا في رقي دول أخرى , تؤثر فيها أيما تأثير, ويكون لها فيها كلمة وحضور.
راجعت الخبر المنشور في صحيفة عربية وحاولت أن أقيس مدى التغير الذي طرأ على أيدلوجية العمل التي تدعو إلى تفعيل دور الشباب في المجتمع, و إعطاء البحث العلمي فرصة لإحياء حضارة تعفنت وسارت في طريق اللا عودة.
وبرغم قناعتي انه لا جدوى من تلك الأطروحات, مادامت قد بنيت على تجنب رأي أصحاب المشكلة, إلا أن ضمير الكاتب قد أغراني بأنه قد يكون هناك تغير ولو شبه ملموس.
يقول الخبر وهو من إحصائيات الجهاز المركزي للمحاسبات نقلا عن الدكتور احمد فؤاد باشا نائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق , أن الكفاءات المصرية المهاجرة إلى دول العالم المختلفة تخطت حاجز 650 ألف مبدع وخبير مصري في شتى المجالات الإبداعية, ففي أمريكا 318 ألفا , وفي كندا 110 آلاف , وفي استراليا 70 ألفا , و35 ألفا في بريطانيا و 36 ألفا في إيطاليا و 12 ألفا في أسبانيا , و 60 ألفا في اليونان وبلغت نسبة ما ينفق الإنفاق العربي على الأبحاث العلمية والتطوير 0,02% وهي نسبة مروعة بكل المقاييس توضح مدى الإهمال في أهم المجالات التي هي شرط لبناء أي حضارة.
وفي الوقت الذي في مصر وحدها حسب كلام د.محمد السيد السعيد للأهرام ويكلي: 150 ألف أكاديمي يحمل معظمهم الدكتوراة و لكن القليل منهم يعمل بالبحث العلمي. والمؤسسات البحثية الضخمة داخل و خارج الجامعات باستثناءات نادرة لا تنتج شيئا و هذا يفسر المستوى المتدني للتقدير العالمي للبحث في مصر.. ثم نفاجأ بدراسات وبحوث أخرى تسأل لماذا تهاجر العقول العربية؟؟!!!
قمة الاستهتار أن تتحدث الدولة عن هجرة العقول وضياع المهارات والخبرات دون أن تسأل أصحاب المشكلة الأصليين عن سبب هجرتهم وتركهم بلدانهم , ولم تسأل عن ما إذا كانت قد قدمت لهم ما يجعلهم يعدلون عن التفكير في الهجرة, من رفع للمهارات, وتدريب جيد , واستيعاب للابتكارات والأفكار, والاختراعات والمواهب الشابة, فضلا عن التمويل والرعاية ولن اسرد أمثلة لشباب غربيين استوعبتهم دولهم فاصبحوا علامات مشرفة لأنها الأمثلة كثيرة ومتنوعة
وبمقارنة بسيطة بين صفقات الكرة أو أجور الفنانين نجد أن اجر عادل إمام عن فيلم يقوم ببطولته, واجر عمرو دياب عن البوم يغنيه تعادل نسبة الإنفاق على البحث العلمي في دولة عربية ونسأل أنفسنا بعدها لم يهرب المبدعون؟, اخذوا من الغرب أسوأ ما فيه, فهناك اللاعب بالملايين نعم, لكن كم تنفق هذه الدول على البحوث العلمية والمبدعين الآخرين في شتى المجالات؟ ولن أقارن بين الدول العربية وأوروبا أو أمريكا, لأن الفارق شاسع سواء في مصادر التمويل التي تتعدد أو نسبته التي تتخطى نسيتنا مئات المرات.
وعلى طريقة حزبي السعديين والدستوريين في بدايات القرن العشرين انتهكت كرامة الخبرات العربية, فأقعدت في سن العطاء, و أتحفت مع المومياوات الفرعونية بلا جنازة أو عزاء ترك بعضهم الكتابة أو البحث ليعمل بائعا في أحد الأكشاك, أو المقاهي فأنا شخصيا كان لي صديق في الدراسات العليا في مرحلة الدكتوراة يعمل في مقهى في الوقت الذي تتعدد فيه وظائف الكبار، وقد كان التعدد في الوظائف والعضويات السمة الرئيسية لبدايات القرن العشرين التي قامت ثورة يوليو لإنهاء فسادها , وتحرير المصريين منها, و ها هي تعود من جديد فاحمد باشا ماهر كان رئيسا لمصانع نسيج القاهرة , ودكتور حسين هيكل رئيس الدستوريين رئيسا لمجس إدارة شركة حديد الدلتا ثم سيكو ثم نسيج الفيوم والدكتور احمد عفيفي رئيس الديوان الملكي عضوا في مجلس إدارة 41 شركة, واحمد عبود عضوا في مجلس إدارة 26 شركة. و ها نحن نعود بالزمن إلى الوراء, فكثير من الشخصيات المعروفة تعيد نفس المشكلة التي جعلت الكوادر والخبرات تهرب , وتتفاخر بهذا , واحد أعضاء مجلس الشعب وصل عدد عضوياته في مجالس الإدارات والاتحادات الوطنية والقومية والقارية 36 عضوية , تتنوع بين أستاذية في إحدى الجامعات وعضوية مجلس إدارة إحدى مراكز الشباب وطبعا بلا عطاء ملموس في أيها وهو مثال صغير على مدى الفساد المستشري، ناهيك عن المد المتواصل لسن التقاعد لبعض من لهم صلات بالأنظمة في تحد لحقوق الآخرين و منع أو إقعاد من يخالفون الأنظمة لا لشيء إلا لمجرد الخلاف الفكري, و نسأل أنفسنا بعدها لم تهرب الكفاءات والخبرات, لهذه الأسباب ؟...تهرب .
عن مجلة العرب |