 |
هل تمثل الثقافة لنا شيئاً ؟ هل الثقافة في مجتمعاتها العربية ثقافة حركية فاعلة أم أنها ثقافة ساكنة لاتتجاوز أطر التاريخ والاستعادة الذهنية ؟ هل للثقافة مفهوم حضاري له سيرورته على خطوط التنمية العربية الموهومة ؟ أم أن لكلٍ ثقافتة التي تتشكل على قَدِّه ومقاسه ؟
إن السؤال الثقافي من أخطر الأسئلة وأشدها إلحاحاً في ظل التغييب المتعمد للعقل العربي من قبل العرب أنفسهم ؛ سياسات وأحزاب وتكتلات اجتماعية واقتصادية . والسؤال الثقافي الحقيقي المرهون بالنهوض بالواقع غير وارد في أجندة المؤسسات والسياسات المنادية والحاملة لألوية مايسمى بالثقافة ! وذلك لسبب وهو أن الثقافة الحقيقية مرتبطة بالحرية والاستقلالية ؛ ليس على المفهوم والمصطلح بل على الممارسة والفعل , والنظرة العربية لايمكن أن يسود فيها هذا الارتباط بين مفهومي الثقافة والحرية لأنها قائمة في بنيتها على أساس من السلطة ذات المفهوم المعقد والإشكالي في عموم الثقافة العربية تاريخياً والممتد سلفياً لأجيال لايزال لها حضورها القوي في بسط الماضي على الحاضر ! وما الثقافة التي توجد في مؤسساتنا إلا مجرد أعمال وظيفية يسترزق منها وليست فكراً حقيقياً فاعلاً .
والاحتراف الثقافي هو أمنية ليست مثالية بقدر ماهي حق من حقوق المواطنة واللغة والهوية , وهو في نظري واجب على كل الدول والمؤسسات الراعية لمصالح الشعوب ونهضتها , وفيه دلالة على نوع من التجديد في الأطروحات الثقافية , والابتكار في مضامينها وطرق عرضها وردم كل هوة تعيق من شأنها , والاحتراف مشروع يقوم على تقليب تربة السكون وتحريكها , ونبش أسئلة مهمة وضرورية والإجابة عنها على كل المستويات العربية والإقليمية . وشتان بين مانرمي إليه من الاحتراف الثقافي المنشود وبين الواقع الثقافي المسلوب , فالواقع الثقافي يقول بدعم الموهوبين وهم لايجدون من يطبع كتبهم ويبرز أفكارهم ويتبنى مشاريعهم ! والواقع الثقافي ينادى بالحرية والتعددية ولانجد إلا فكراً واحداً ومنطقاً واحداً ! والواقع الثقافي يقول بمسؤولية المثقف عن أفكاره وطروحاته وعندما يقترب من التأويل والاجتهاد الحر توجه نحوه سهام تلو سهام ! والواقع الثقافي يتبنى - ظاهرياً - مواثيق وأخلاقيات للعمل الثقافي ومن خلاله تجد أن العمل الثقافي هو أول طعنة توجه للمثقف وتكبح من فكره ودوره ! والواقع الثقافي يقول بإتاحة التعلم لجميع فئات المجتمع وأطيافه , وما أكثر المطرودين على أسوار الجامعات والكليات ! والواقع الثقافي يبشر بنقل التجارب العالمية الناجحة كاليابانية والصينية وفي المقابل لاترى إلا تجارب الفشل والهرطقة !
لقد نجحت بعض الدول العربية في تفعيل الاحتراف الرياضي , وأوصلته إلى درجات عالية من المستويات العالمية , وغدت به مناطاً للمجد والرفعة , وهذا يشكل موطناً من مواطن الذكاء والدهاء والقوة العملية على مستوى القيادة واتخاذ القرار من لدن وزراء ومسؤولي الرياضة الذين فرضوا وأقنعوا حكوماتهم بتبني مثل هذا النوع من الاحتراف على عكس وزراء التربية والثقافة - مثلا - القابعين في ردهات الكسل والمنفذين لمشاريع الإحباط والفشل لكل مبدع صغر أم كبر ! ليس لوزير ومسؤول من مسؤولي الثقافة والتربية من مكانة في نفوس المجتمع العربي إلا بما يحمل من تبعات منصبه ووجاهته , ولكنه على المستوى العملي المشاريعي يسقط في خانة الصفر على الرغم من الكم الهائل من الميزانيات المالية المهدرة ! وإذا أردنا دليلاً على ذلك فلنا أن نتساءل : هل لدينا مشاريع للترقية الوظيفية ؟ هل لدينا تشجيع لمواصلة الدراسات والعلوم ؟ هل لدينا أماكن للباحثين الجادين ؟ هل يشغل التفرغ العلمي والبحثي أذهان شركاتنا ومؤسساتنا ؟ هل لدينا بدائل للعمل الوظيفي والثقافي والتقني ؟ اقرؤوا وراجعوا أنظمة العمل والسياسات التعليمية لتروا أنها بعيدة كل البعد عن سيرورة الدنيا وتطور الحياة , واقرؤوا فيها كل قيد من قيود الإثقال الثقافي والفكري والوظيفي . وهذه القيود تعزز الثقافة القناعية لدى المجتمعات , وتكتسب ثقافة القناع أشكالاً وطرقاً عديدة مبتكرة من أجل الوصول إلى الغايات بأية وسيلة كانت وتصبح الثقافة العربية في مجتمعاتها أشبه ماتكون بحفلة تنكرية ؛ فالابن ينطق بصوت أبيه , والبنت تنطق بصوت أمها , والتلميذ ينطق بصوت أستاذه , والمريد ينطق بصوت شيخه , والمرؤوس ينطق بصوت رئيسه مع مرور الزمن نتحصل على صور مكرورة من الأشخاص والأفكار السابقة لاحياة فيها ولا انتماء وتتكرر من خلالها صور الخوف والوصولية والوصاية .
وإذا كانت الأمة قد توقفت عن السيرورة الحضارية منذ مئات السنين فإن العديد من الغيورين والمبدعين لم يرضوا بحياة كهذه , وقدموا أروع الأمثلة في التضحية وإنكار الذات وسافروا ليبحثوا عن أنفسهم . اقرأوا بصوت عال مايقوله الروائي السعودي أحمد أبودهمان وتماسكوا جيداً : ( في باريس اكتشفت ذاتي , واكتشفت أنني حين كنت في المملكة في هذه الثقافة الأسرية لم أكن سوى خلية صغيرة في جسد ضخم , لم أكن فرداً لأن الثقافة الاسرية كانت تلغي الفرد , والفرد خلية صغيرة في هذا الجسد المعروف - حسب الدراسات الأنثروبولوجية - بالشخصية القاعدية والتي يمثلها عادة كبير الاسرة , وحين ذهبت إلى فرنسا فإنني واجهت نفسي بنفسي في مجتمع يعترف بالفرد , في بيئة قامت حداثتها وحضارتها على الاعتراف بحقوق الفرد كمسؤول . بدأت تتحقق ذاتي وبدأت أجيد القراءة - القراءة كعلم - فاكتشفت بلادي في هذه اللحظة , بلادي التي لم أكن أعرفها لو أنني بقيت هناك !! اكتشفت الجزيرة العربية اكتشفت هذه القصيدة التي بناها آباؤنا وأجدادنا بعرقهم وتعبهم وجوعهم , اكتشفت بلاداً عظيمة خبؤوها عنا , اكتشفت الجزيرة في جاهليتها وحاضرها , مازال مصطلح الجاهلية يشكل لي عاراً , ولكن الجزيرة لم تكن جاهلية , كانت معرفة , كانت معلقات , كانت تتعايش فيها كل الأديان ... أنتمي لهذه البلاد , أنتمي لهذه الجزيرة ) .
بعد هذا الكلام هل ترون أنه في قدرتنا أن نمارس الاحتراف الثقافي أم ننكفئ على ذواتنا ونصمت كصمت العصافير ؟!
هل في قدرة كل واحد منا السفر ليبحث عن ذاته وثقافته وحضارته أم أن الأمر في غاية الصعوبة ؟ وإذا لم تكن الأوطان هي الملاذ الخصب لإبداع أبنائها وتفكيرهم فلماذا تكون أوطان الآخرين أخصب وأوسع ؟ هل هي سنة كونية , أم أنها غير ذلك ؟ لماذا أخفقت كل مشاريع النهضة والحداثة والإصلاح ؟ ألهذه الدرجة من السوء والتخلف يعيشها العرب ويتخبطون بها ؟ هل انتفت الآمال لوجود عوالم ثقافية رحبة ؟ هل يمكن أن نحسن الظن بمؤسسات الثقافة ومراكز صناعة القرار من أجل إيجاد كل شيء ؟ هل ننتظر طويلاً ؟ هل نستطيع أن نمسك الشمس ؟!.
قال أحد صناع القرار : « الحياة فرص , والفرص الكبيرة لاتطرق الأبواب فمن يريدها عليه أن ينتزعها انتزاعاً ويكتسبها لشعبه ولنفسه».
saldhamer@hotmail.com |