 |
قدر لي أن أكون شاهدا على الضفاف لبعض الحوارات الرمضانية الخاصة في بعض المناسبات العديدة التي تكثر في شهر رمضان المبارك بشكل مرتب أو صدفي, وبما أنني أؤمن بالقول: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، فلقد تمتعت بحق بما قدر لي دون أن، يكون لي شرف المساهمة المباشرة في هذه الحوارات إلا بالقدر الذي تسمح به معارفي المحدودة في المواضيع المطروحة.
لذلك سأحاول ما استطعت ان أكون أمينا في النقل حتى لا أتحمل وزر المقاصد مع علمي بأن ما أقوم به هو نوع من التمرين الذي قد يتعارض مع كوني إنسانا ذا موقف. أظن أن الاعتراف المبدئي بأنني أتمرن سيعزز الجانب الموضوعي في النقل.
الأول: في هذه الأيام يمكن ملاحظة العديد ممن يمكن تسميتهم بذوي النظارات السوداء، من هؤلاء من ابتلي بأنه لا يرى إلا السيىء والسلبي ولا تستطيع نفسه أن ترى الجمال في شيء أو في أحد، فإذا ذكر أمامه مسؤول حكومي بادر بالكلام حول ظلم هذا المسؤول وتحكمه وتسلطه بل وربما نفاقه ولن يستطيع أبدا أن ينظر إلى أي إيجابية في أداء أو سلوك هذا المسؤول فضلا عن مجمل أدائه سلبا أو ايجابا، أما إذا ذكر أمامه داعية أو عالم بادر إلى تسقط أخطائه وعثراته ولن يتكلم أبدا عن علمه وفضله واستفادة الناس منه وحبهم له. هو لا يتكلم عن الصالحين والأكثر صلاحا وعمن اقترف ذنبا وعمل عملا صالحا حيث لا يجوز الوقوف على الخطأ دائما بل أنه لابد من الأخذ بضرورة التساهل والتغافل. لماذا يبدأ هؤلاء بالإشارة إلى الفضائل ثم ينتهون إلى محاولة النيل من الآخرين باستخدام كلمة (ولكن) للنيل من الأشخاص قبل أدائهم.
الثاني: إني ألمح خلطا عجيبا في هذا الخطاب، فالتغافل والتسامح مطلوبان ومستحبان في العلاقات الشخصية الفردية ويصنعان أكثر من 90 بالمائة من مواقف المروءة. وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: من خدعنا بالله انخدعنا له. وقال المقنع الكندي:
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن زجروا طيراً بنحس تمر بي
زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
أما عندما يتعلق الأمر بحق الله وحق الأمة فإن الأمر يكتسب بعدا آخر.. ففي هذه الدائرة يكون المقصود مسؤولا كان أو داعية أو عالما تحت الضوء العام- شخصية عامة - أي تحت مراقبة الله وعباده، والأصل أن يكون أداؤه سليما دون أخطاء ولا فضل له في ذلك لأنه في إطار أداء الواجب، ما رأي أخي المحاضر عندما يراني أتكلم عن حاكم أقام مقابر جماعية لشعبه ولا يسمع مني إلا كلاما عن إنجازاته ومشاريعه التي افتتحها تحت وابل من أشعة التصوير وربما تصفيق المحيطين؟ وما رأي المحاضر حينما يكون أمام مراب أو مرتش ونفيض في ذكر فضائله بعد أن تبرع بمائة ألف ريال لمؤسسة خيرية؟ هل يتأتى لي أن أتكلم عن نجاح الإخراج وديكور المسرح والإحترافية العالية في برنامج كبرنامج (ستار أكاديمي) الذي لا أحبه ولا أقره أخلاقيا حسب معاييري الشخصية ثم أتناسى أو أتغافل عن آثار البرنامج غير المقرة من طرفي على الأقل فضلا عن الغاية التي أعد من أجلها؟
هل يريد سيدي مزيداَ من الوضوح؟ ليكن، ماذا سأقول عمن يمتدح بناء الراقصة الفلانية لمسجد مع عدة وجبات إفطار على مدى الشهر الكريم جنت تكلفته من عرق (..) والخلاصة: الأول الذي أقام مقابر جماعية لشعبه يبقى طاغية مع كل إنجازاته وما قيل نفاقا حولها، والثاني يبقى لصا مع تبرعه ومع كل ما دبج حول هذا التبرع من محاباة ونفاق والثالث يبقى سقوطا مع كل ما أحاط به من تقنيات ودعاية، والرابعة ستبقى (..) مع كامل أرشيفها الحافل ولو بنت ألف مسجد.
الأول: أنا أتحدث بالعموم ولا أدخل بالتفاصيل والأصل حسن النوايا وتقييم ما يحدث أمامنا من أحداث على أحسن المحامل وعلى افتراض حسن النية وليس لنا سوى الظاهر وافتراض بغية فعل الخير بل وربما التكفير عما يمكن أن يكون قد اقترفه الإنسان في غفلة من عقله أو تحت ظروف قاهرة. كما أن الصدور لا يعرف ما بداخلها إلا الله سبحانه وتعالى عما يصفون والأصل هو أن لكل امرىء ما نوى. أما حول موضوع الشخصية العامة فإنها مع الأصل في ذلك في كونها شخصية عامة إلا أن الأصل أيضا أن حاملها هو بشر يخطىء ويصيب وله الحق في الثواب والعقاب وعليه فلابد من الثناء على ما فعله من افعال الخير.
الثاني: نعم.. ولكن وبما أنني لا أملك الوسائل ولا الصلاحيات للحكم بموجب النوايا فأنا أحاكم الظاهر وأقيمه. وإلا فما معنى التناهي عن المنكر في حين يصبح السكوت على الخطأ معاونة على الاثم وهل غاب عن فطنة محاضرنا ان الحق مطلوب بذاته ولذاته؟ الإيجابية في موقف ما لن تستطيع إلغاء الخطأ في موقف آخر.. الصواب مفروض أن يكون والخطا مستنكر من كل أحد وفي كل زمان ومكان.. بعد ذلك رمى (الثاني) بآخر سهم أخطأ الطريدة ووضع صاحبه في كمين عندما قال: لا أراني الليلة إلا كمن يروض أسدا، انتفض الثاني وأشار: لك الله يا سيدي لو غيرك قالها.. لقد جعلت من نفسك مروضا ذا عقل وجعلتني من الآخرين بهائم عجماء ولن يبلغ أفق العلاقة بينهم مهما بلغ إلا علاقة أسد في قفص ومروض بيده سوط ويا لها من رؤية.
الثالثة (عبر دائرة تليفزيونية مغلقة):
سيدي تتحدث عن التغافل والتسامح وضرورة إبراز الأداء الإيجابي في سلوك الآخرين. إنني والله أوافقك على منهجك في ضرورة اعتماد حسن النية والنظر مثلا إلى المرأة المسلمة كما نظر إليها رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم. ألا ترى يا سيدي الفاضل في تصرفات من أعطى حق القوامة من قريب أو مؤتمن إزاء المرأة شيئا مما تدعو إلى نبذه؟ لماذا لا يخلع بعض هؤلاء نظاراتهم السوداء وهم يقيمون ما نقوم به كأمهات وكنساء عفيفات وهم يمارسون ما يعتقدون بأنه تقويم لسلوكنا وبخاصة في الأسواق والأماكن العامة.
الأول: حسنا أنا أتحدث بالعموم وأعد بالحديث مفصلا في العام القادم.
albahli6@hotmail.com
|