 |
لن يخرج الشرق الأوسط من عنق الزجاجة الذي وضعته فيه أمريكا وبقية الدول الكبرى , للوهلة الأولى يبدو ذلك صحيحا في نظر المراقبين والمحللين السياسيين . فالأوضاع المضطربة والفوضى التي تعم المنطقة جراء تسارع وتيرة الأعمال الإرهابية والاحتقان السياسي في أكثر من بلد عربي بسبب المتغيرات الجيوسياسية التي تتطلبها المرحلة الراهنة من العلاقات الدولية , التي تفرضها باقتدار سياسات الدول المتحكمة في القانون الدولي المتمثل في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن . ناهيك من ناحية أخرى عن المنظمات غير الحكومية من قبيل جمعيات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني .
جميعها تشكل بالتأكيد ضغطا على حكومات هذه الدول باتجاه التغيير والإصلاح . وفي الذكرى الرابعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر , وما أفرزته الحملة ضد الإرهاب من شعارات تطالب بالديمقراطية ونشرها في عموم المنطقة العربية . ولكن بعد تجييش القوى وكذلك عقيدة الحروب الاستباقية ماذا نجد الآن من أحداث في الساحة السياسية؟ سوريا خلال أسبوع ستواجه اللجنة الدولية المكلفة من مجلس الأمن بالتحقيق في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري برئاسة المحقق الدولي ديتليف ميليس بعد مناورات وتماطلات من الجانب السوري وبعد تصريحات من مسؤوليها تؤكد على تسييس ملف التحقيق ليشكل ورقة ضغط أمريكيا وفرنسيا على سوريا. والسؤال هنا: هل باستطاعة المحقق الدولي أن يخترق النظام الأمني الاستخباراتي الذي يمثل الرافعة القوية لحزب البعث الحاكم في سوريا , وبالتالي يكشف عن التاريخ السري للنظام العسكري الذي حكمت سوريا من خلاله لبنان ؟ بالطبع الحركات والأحزاب السياسية في لبنان تطالب بالحقيقة . لكن الحقيقة من وجهة نظر القانون الدولي , ومن خلفه الدول العظمى الداعمة للتغيير ونشر مؤسسات المجتمع المدني في الشرق الأوسط تتجاوز فكرة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى ما هو أخطر من ذلك .إن تبني المجتمع الدولي الكشف عن قضية اغتيال الحريري سابقة تضع إرادة هذا المجتمع على المحك والاختبار الحقيقي , وكما يقول غسان سلامة في حال فشل مثل هذه الجهود الدولية في هذه القضية فإن العواقب ستكون وخيمة , وسيؤدي ذلك إلى تشجيع الاغتيالات السياسية لأن الفكر السياسي العربي تربى على فكرة المؤامرات والاغتيالات والتاريخ السياسي للأحزاب الحاكمة أكبر دليل وشاهد على هذه التربية التي ورثتها من تاريخها العريق في الاستبداد السياسي . أما في حال أدت الجهود في الكشف عن الفاعلين والمساهمين والمحرضين على هذه الجريمة , وبالتالي تقديمهم للمحاكمة, فإن الوضع سيختلف وسيكون ثمة رادع سيساهم في بناء فكر سياسي عربي خال من العنف وفكرة الاغتيالات , وسيؤدي أيضا إلى ممارسة ديمقراطية في الصراع على السلطة . إذن هذا هو الرهان الذي يسعى إلى تحقيقه المجتمع الدولي , ولكن هل فهمت سوريا هذه الرسالة جيدا؟ لاشك في أنها لا تملك خيارا آخر غير التعاون الكامل مع لجنة التحقيق . فبعد القرار1559الصادر من مجلس الأمن والقاضي بخروج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح " الميليشيات" والمقصود هنا سلاح حزب الله , وكذلك القرار1595 القاضي بتشكيل لجنة التحقيق الدولية , وبعد الاتهامات والتهديدات الأمريكية- آخرها التهديد الذي جاء على لسان السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زادة الذي هدد بالقوة العسكرية- والعراقية لها بعدم التعاون في قضية تسلل الإرهابيين والزرقاويين من حدودها إلى داخل العراق. إضافة إلى الضغوطات الفرنسية من جانب آخر . فبعد كل ذلك وجدت سوريا نفسها في عزلة لا تحسد عليها وحتى خشبة الخلاص كما تقول راغدة درغام في جريدة (الحياة) لم تعد تجدي نفعا , إنها تلعب في الوقت الضائع كما يقال . أما المشهد السياسي اللبناني بعد التمديد للرئيس لحود , وكذلك حوادث الاغتيالات , مرورا بربيع بيروت في 14 اذار دخلت الدولة اللبنانية في مسار محاربة الإرهاب والتطرف , وقد راهنت الإدارة الأمريكية ومن خلفها فرنسا على أن استعادة لبنان حريتها وسيادتها من الهيمنة العسكرية السورية يساعد كثيرا على محاربة الإرهاب وانحساره في مقابل نشر ثقافة دولة المؤسسات المدنية, ولكن هل يمكن النظر إلى هذه المعادلة بحيادية تامة؟ ألا يمكن أن تقود هذه السياسة إلى وضع السيادة اللبنانية تحت وصاية الهيمنة الأمريكية ,هذا ما تقوله بعض الأحزاب العربية من قومية ويسارية وإسلامية, ولكن ما تتغافله تماما هو أن مسار الحرب على الإرهاب خلال أربع سنوات غير شكل العلاقات الدولية , ووضع العرب والمسلمين في دائرة الاتهام , وجعلهم دائما مطالبين بصك براءة ضد الإرهاب. الأمر الذي أضعف موقفهم السياسي في المحافل الدولية ناهيك عن ضعفهم المزمن في تحديث مرافق الدولة , وبالتالي لم يبق لهم سوى أن يحسنوا من شروط علاقاتهم مع الدول الغربية الكبرى ومع شعوبها من خلال الممارسة العقلانية للسياسة , أي أن العمل الدبلوماسي في سياقه الدولي هو الذي ينبغي الرهان عليه في الفترة الراهنة , لا أن نصادف في الخطاب السياسي العربي تصورات ورؤى لا عقلانية لا تمت في معظمها إلى الواقع بصلة مثل شعار الجهاد والحاكمية عند الإسلاميين والوحدة القومية العربية عند القوميين ونموذج تطبيق الديمقراطية الغربية بحذافيرها كما هي عند الليبراليين .لكن المعادلة الأمريكية السابقة وقعت في أخطاء , بل أجزم بالقول ان الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية هو أنها وضعت لبنان والعراق كبوابتين مشرعتين لتحديث المجتمعات العربية , في سلة واحدة دون أن تفرق بينهما , ودون الأخذ أيضا بعين الاعتبار التمايزات الطائفية والجغرافية والثقافية بين البلدين . بينما في دولة مثل مصر لها تجربة ناجحة في الحرب ضد الإرهاب في التسعينات لم يسع الغرب ولا الأمريكان الاستفادة من تلك التجربة , بل ذهبوا إلى التركيز على تفعيل ودعم المؤسسات المدنية في مصر , وكلنا يذكر قضية مركز ابن خلدون لسعد الدين إبراهيم التي أحيلت إلى القضاء , ولكن سرعان ما وجهت أمريكا اهتمامها بالقوى السياسية الفاعلة في مصر وقد تمثلت في اللقاء الذي ضم كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا مع الأحزاب السياسية عدا الأخوان المسلمين . لكن السؤال هل شكل هذا ضغطا على الحزب الوطني الحاكم بزعامة حسني مبارك باتجاه الإصلاح والتغيير؟ ظاهريا من الانتخابات التي حدثت مؤخرا يبدو ذلك , ولكن خلف الكواليس يبدو أن هناك تحالفات سياسية ربما تعيق عملية الإصلاح في المستقبل . خلاصة القول أن مضي أربع سنوات منذ أحداث أيلول جاءت النتيجة في تصوري كما يلي : فقد الغرب جزءا من أمنه وحريته بسبب القيود والقوانين التي سنت بعد سلسلة التفجيرات المتعاقبة , وكثرت في الشرق مواكب الإرهابيين والانتحاريين الذاهبين إلى الجنة!، لكن الخروج من هذه الشرنقة يتطلب هذا الفعل المفصلي في الحياة السياسية العربية لأن تجارب التاريخ عند الأمم تؤكد على هذا الأمر.
mohmed_z@hotmail.com |