يخلط كثير من الناس بين الازدواجية اللغوية والثنائية فاذا كانت الثانية تختص بمن يتمكن من لغة أجنبية يتقنها كلغته الأم فالازدواجية اللغوية تعني وجود مستويين لغويين يلتقيان بنسبة كبيرة في معجمهما ويختلفان أكثر ما يكون في نظامهما الصوتي بحيث يكون احدهما اصلا والثاني فرعا بمعنى ان تجري الفصحى والعامية بصور معينة كل في سياقاتها الاجتماعية الخاصة فيكون لكل من الفصحى والعامية وظائفها وميادين استخداماتها ومجالاتها.
كثيرا ما تتداخل المستويات اللغوية فتجري الفصحى في سياقات العامية ويحدث إسقاط لهجي عامي أثناء نطق الفصحى وتتفرد كل منهما احيانا فتسمع الفصحى من مستعملها نقية معربة منضبطة لا تشوبها شائبة، يحدث هذا في الخطب الدينية كخطب الجمعة والعيدين، ويكثر ظهور الفصحى في الدرس العلمي والمحاضرات، ونتبين للعامية تفردا في التعامل اليومي في مستويات محددة كحديث الأسرة والأصدقاء وفي الأسواق ويكثر عند طبقة لم تنل حظها من التعليم ولم تتصل بالموارد الثقافية.
ولا يدعي عالم باللغة انه يمكن وضع حدود قاطعة او قيود صارمة تعزل كل مستوى عن الآخر فكلما خلت العامية من الانحرافات الصوتية والخروج على المعيار النحوي قربت من الفصحى، وكلما زاد في نطق الفصحى خلل إعرابي وخلط في المخارج الصوتية كانت أقرب للعاميات.
ومما استقر في الدرس اللغوي انفتاح المستويات اللغوية بعضها على بعض فلا يكاد يخلو الأمر من إسقاط لهجي على الفصحى او تزيين العامية بتعبيرات فصيحة وتراكيب بليغة. وتشوب تداخلهما مواقف طريفة يتندر بها، كما يؤثر تلبس الفصحى بالعامية والعامية بالفصحى على انتقال المعنى الى دلالات متناقضة توقع المستعمل لهذه المستويات المفتوحة في حرج شديد يتمنى لو انه خلص الى مستوى واحد لكان خيرا له، من ذلك ما نسمعه من مستويات لغوية توجه للعمالة تمزج بين الفصحى والعامية وخطأ الآخر من غير ابناء اللغة فتكون النتيجة مسخا لغويا محرجا.
اما تداخلهما الذي يقود الى مواقف طريفة يتندر بها، فقد حوت كتب التراث فيضا عجيبا، منها ان نحويا وقف على زجاج فقال: بكم هاتان القنينتان اللتان فيهما نكتتان خضراوان؟ فقال الزجاج: (مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان) الرحمن 64 ـ 65.
وذكر أحد الكتاب المعاصرين ان احد نحاة هذا العصر سأل بائع البطيخ: (بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفرجلتان، ودونهما الرمانتان فقال البائع بضربتان وصفعتان ولكمتان (فبأي آلاء ربكما تكذبان).
يتضح من الحكايتين التقعر الذي التزمه المتحدثان في موقفين لا يقتضيان مثل هذا التقعر فالعرب تعرف ان لكل مقام مقالا، لذا جاء الرد استحقاقا لتقعر المتحدث. فالأول استشهد بالآية القرآنية التي لا تجيب عن السؤال لكنها تأتي صوتيا على مثال نطق المتحدث، وتنبهه الى ما أخطأ فيه من جر المثنى بالألف. اما الثاني فقد واجه محدثه بما يفجعه فهو تعمد الإخلال بالنحو اذ التزم بالألف في حالة الجر مع الاشارة الى ما يستحقه من عقاب (اللكم والصفع) والحكاية الثانية اما انها مصنوعة او ان البائع كان قد اطلع على رد الزجاج السابق. ولعل النحوي يشير الى لغة القصر في إعراب المثنى التي تلتزم بالألف رفعا ونصبا وجرا. ونقل عن عبدالله بن مسلم انه دخل ابو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له: أمتع الله بك، اني اكلت من لحوم هذه الجوازل فطسأت طسأة فأصابني وجع من الوالبة الى ذات العنق فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل هناك دواء؟ فقال أعين: خذ حرقفا وسلقفا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال ابو علقمة: لم افهم عنك فقال أعين: افهمتك كما افهمتني.
وحدث ابو عثمان عن ابي حمزة المؤدب قال: دخل ابو علقمة النحوي سوق الفخارين بالكوفة، فوقف على فخار (صانع الجرار) فقال: أأجد عندك جرة لا فقداء ولا دباء ولا مطربلة الجوانب، ولتكن نجوية خضراء نضراء قد خف محملها واتعبت صانعها قد مستها النار بألسنتها، ان نقرتها طنت، وان اصابتها الريح رنت، فرفع الفخار رأسه اليه ثم قال له: النطس بلون الجروان آحر وأحكى، والدقس باني والطير لري شك لك بك، ثم صاح: يا غلام شرج ثم درب والى الوالي فقرب، يأيها الناس من بلي بمثل ما نحن فيه؟ وانشد لثعلب:
إن شئت أن تصبح بين الورى
مابين شتام ومغتاب
فكن عبوسا حين تلقاهم
وكلم الناس بإعراب
أبو علقمة نحوي اشتهر بولعه بغريب اللغة مما وسمه بميسم الظرف، لم يكن يتعمد إضحاك الناس لكنه مولع بغريب اللغة يتقعر في كلامه دون مراعاة حال السامع ومدى تمكنه من الإلمام بالمترادفات، فيباغت من يستمع اليه بما ينتقيه من مفردات لغوية غريبة نادرة فتأتي ردود المستمعين اكثر غرابة فهناك من يجاريه بصياغة غريب لا معنى له ليعلمه باحتجاجه على هذا الغريب البعيد عن ادراك السامع وفهمه كما هو حاله مع الطبيب. ومنهم من يعلن غضبه واستهجانه لغريب اللغة الذي يتحدث به أبو علقمة فيجاريه بغريب مصنوع يشفعه برأيه في النحاة فهم عنده ابتلاء لا قبل له بهم (يا أيها الناس من بلي بمثل ما نحن فيه؟) ومنهم من يظن أن الرجل يريد ان يتقعر بما لا معنى له فيجاريه في ذلك ولكن عندما يكتشف صدق الرجل ويفهم الغريب يعود للغة الواضحة.
|