الخميس 1431-08-03هـ الموافق 2010-07-15م

أضف اليوم للمفضلة المفضلة   اجعل اليوم صفحة البداية صفحة البداية

العدد 13544 السنة الأربعون 

العدد الرئيسي لجريدة اليوم
الأولى
المحليات
اليوم السياسي
اليوم الثقافي
اليوم الفني
تحقيقات وتقارير
عزيزي رئيس التحرير
الرأي
الحياة
اليوم المصور
الكاريكاتير
ملحق اقتصادي يومي يصدر عن جريدة اليوم
الاقتصاد السعودي
الاقتصاد العربي والعالمي
مؤشرات الأسهم
ملحق رياضي يومي يصدر عن جريدة اليوم
الميدان السعودي
ميدان عربي عالمي
خدمات تصدر عن موقع اليوم الإلكتروني
الطقس
أوقات الصلاة
مواعيد القطارات اليومية
العملات
تحويلات قياسية
فروق التوقيت بين المدن
الأسماء ومعانيها
الصحافة العربية
الإعلانات الحكومية
اليوم الثقافي

فيلم «عايش».. انتصاراً لأحلام المهمشين وانطلاقاً للحياة

المُخرج عبدالله آل عياف يعي التفاصيل، ويستوعب المعاني الخبيئة فيها

آل عياف يجلس بجانب الحساوي في مشرحة المستشفى

خالد ربيع السيد – جدة
التقاط المخرج الشاب عبدالله آل عيّاف لشخصية الرجل الهامشي صاحب الحلم البسيط (عايش العايش) في فيلمه الأخير الذي عُرض في مهرجان الخليج السينمائي الثالث بدبي، وحصل على جائزة أفضل فيلم روائي قصير، يُؤكد الثراء الكامن في الموضوعات الإنسانية الأصيلة المستوحاة من حياة المهمشين بشكل عام، وسواء أكانت منقولة من واقع حقيقي بتصرف فني أو مبتدعة عن واقع متخيل يمكن أن يكون حقيقياً، فإنها تكتسب وهجاً خاصاً، لا سيما إذا كانت منتصرةً لإرادة الحياة.
ولا شك في أن الأفلام ذات الصبغة الإنسانية عموماً تحقق تأثيراً وجدانياً شفيفاً عند المشاهد، ويمنحها الطابع الإنساني قبولاً تعاطفياً عميقاً، خصوصاً إذا ما اشتُغلت بلغة سينمائية متكاملة، وفي فيلم «عايش» تجلى ذلك من خلال تمكّن المخرج آل عيّاف من أدواته السينمائية وعلى توليفها بإحكام في نسج الفيلم، بما يبرز الجانب الحميمي للإنسان العادي، ويسلط على عمق معاناته ومحبته للحياة.
أزمة خفية
على هذا النحو جاء الفيلم محققاً للاشتراطية الإنسانية، وفق تماسك بنائي رصين، وإن كان مخرجه ومؤلفه طرق به، وبكيفية ما، باب الواقعية التجديدية، وهو اتجاه يختلف عن الرمزية التعبيرية التي كان أنجز في إطارها فيلميه الروائيين القصيرين السابقين «مطر» و»إطار»، رغم أنهما يشتركان مع «عايش» في خاصية التسليط على شخصية محورية رئيسية تعاني من أزمة خفية مندغمة ضمن مصير معيّن، ومتشكلة مع حركة إنسان المدينة الحديثة بمكتسباتها العصرية وأحلامها اللانهائية وأيضاً بإخفاقاتها الإحباطية.
ويُلاحظ بعد تأمُل الشخصيتين الرئيسيتين في فيلمي «إطار» و»مطر» التي قام بأدائهما الممثلان طارق الخواجي في «إطار» وعبدالله أحمد في «مطر»، تفاعل صراعهما النفسي اللحظي الذي يعيشانه منذ بداية الفيلمين وحتى النهاية، دون أن يبشر السياق السردي بانفراج وشيك أو نهاية سعيدة، الأمر الذي تجاوزه آل عياف في شخصية عايش باعتباره أحد المهمشين المجسدة مصائرهم في زوايا معتمة من الحياة، وأيضاً باعتبار عايش، والاسم له إشارة حتمية مصيرية، مجرد شخص يعيش الحياة كما رسمتها المقادير، وهو بالضرورة يرتضيها وينغمر في مساربها بروح مطمئنة مشغولة بأحلام بسيطة وطموحات صغيرة لا تتخطى هاجس امتلاك دراجة نارية تعكس توقه المكبوت للانطلاق وارتياد مباهج الحياة.
أداء واثق للحساوي
رغم أن حياة عايش محاطة بالعادة والموت وافتقار الحب، إلا أنه إنسان له حساسية مرهفة بالجمال تعتمل في جوانبه لتطغى على الموت المحيط به. شخصية بسيطة التكوين، لكنها صعبة في أدائها الدرامي، تقمصها وعايشها حد التماهي الممثل البارع إبراهيم الحساوي، واستطاع بأدائه الواثق توظيف إمكاناته الفنية المتمثلة في لغة جسده وتعابير وجهه مستثمراً سحنته وهندامه المتواضع باعتماره عمامة (شماغ) بطريقة العمال والصيادين الكادحين، وكذلك من هدوء طريقته عند الحديث ومن مشيته المتأنية المسالمة. كل تلك المكونات ساهمت في تخليق الشخصية، وتحققت بكيفية تجبر المشاهد على التعاطف الوجداني مع هذا العايش الوحيد.
ودون شك فإن المخرج يعي هذه التفاصيل، ويستوعب المعاني الخبيئة فيها، فينقلها من القصة التي كتبها عن حارس مشرحة في مستشفى عام، يعمل بها منذ 11 عاما. فمنذ بداية الفيلم يَحشد العناصر الصورية في لقطات توحي بمواته أو حياته الفاقدة الروح، بظهوره أثناء نومه متلحفاً بغطاء أبيض يشبه الكفن، مبرزاً رجليه الجامدتين المتجاورتين من خارج الغطاء وكأنه ميت بالفعل ولا قدرة له على تغطيتهما، فيما بقيت يداه ملاصقتان لجسده لتكمل هيئته كشخص مفارق للحياة، وأيضاً من سكون وجهه وشحوبه وانقطاع تنفسه. هذه اللغة البصرية الدرامية تنسرد في أقل من دقيقة، لتعكس مدى توافق رؤية المخرج كاتب السيناريو مع أداء الممثل المتمكن مع حرفية مدير التصوير الحاذق، وهي توافقية أساسية تعزز نجاح الفيلم بأكمله، بل تعزز نجاح أي فيلم بشكل عام. ولعلنا نتذكر المشهد الافتتاحي في «إطار»، و نقارنه بطريقة نوم الممثل طارق الخواجي القلقة الموحية بصراع نفسي عميق يعتمل في دخيلة الشخصية (الحيّة)، في مقابل إيحائية نوم عايش الشخصية (الميتة).

غائبون في لجة الحياة
تدق الساعة المنبهة وهي تشير للرابعة فجراً إلا دقائق، وبقربها مجسم لعبة (دراجة نارية) توحي لطفولية حلمه الأثير، وثمة بروز يحمل صورة بالأبيض والأسود لزملائه الحراس وهم في مرحلة الشباب، وكأنهم موتى أو غائبون في لجة الحياة، وكأنهم أيضاً يمثلون عالمه الحميمي الوحيد.. يستفيق من نومه/ موته، ويبدأ في الاستعداد للخروج وتجهيز الشاي، ثم يخرج في ساعة الفجر الأولى، التي تعكسها إضاءة مدروسة متضافرة مع صوت صفير حشرة «جندب الليل» لتعطي إحساساً طبيعياً بالوقت.. يخرج عايش لينتظر الحافلة التي ستقله إلى عمله، وقبل وصولها يمر على معرض للدراجات النارية، ويتأمل عبر واجهة المحل حلمه القابع في الداخل، وفي غمرة شروده تأتي الحافلة ولا تجده منتظراً فتغادر وتتركه مضطراً للذهاب إلى عمله على رجليه. وفي طريقه إلى العمل، نشهد المدينة فاترة وهادئة كمشيته المصبوغة بالطيبة وظلاله تترامى على الجدران والجسر في جمالية صورية وادعة، رصدها مدير التصوير بدر الحمود بكاميرا دقيقة العدسة لا تغفل الإنسجام مع سردية الفيلم وظهور البطل بمفرده دون وجود بشر حوله في مدينة تعيش مواتاً مقتطفاً من موته.
يصل إلى عمله متأخراً ليطلب منه أحد الزملاء تغطية نوبة زميله المتغيب في قسم الحضانة، فينتقل من الطابق السفلي عند المشرحة إلى الطابق العلوي حيث حضانة الأطفال حديثي الولادة. انتقال معنوي من عالم الموتى إلى عالم الأحياء، وانتقال حسي من التعامل مع مغادري الحياة الى التعامل مع الوافدين إليها، وهناك يلتقي بالزميل الذي سيرشده إلى مهمته المؤقتة (الممثل عبدالله أحمد التلقائي في تمثيله والمتقن لدور موظف أعرج مُتأفف من كل شيء، لنجده يكرر دائماً: مستشفى بائس/حياة بائسة..)، وبكيفية الصدفة والملاحظة الذكية العابرة ينقذ عايش حياة مولود جديد كان على وشك الموت.. هذا الإنقاذ ووقوفه أمام طفل وليد يقوده الى اكتشاف فرحة بداية الحياة وليس قتامة نهايتها، يتهلل وجهه لأول مرة في الفيلم وتنساب موسيقى بكر فلاتة الرقيقة، لتقوده لحظة ولادة الحياة إلى الانتباه إلى حلمه والإسراع في تحقيقه وشراء الدراجة النارية التي طالما تمناها لينطلق بها، حاملاً لعبة (الدب القطني) الذي كان أحضره والد أحد الأطفال حديثي الولادة..

بين فسحة الشارع وسجن العتمة
ينطلق إذن بدراجته إلى النور والهواء وحراك الناس والشوارع الفسيحة الحية بعدما كان سجين العتمة والوحدة والحياة البائسة كما ردد زميله «عبدالله أحمد» بتأففه الساخر. وينتهي الفيلم بلقطة كروسكوبية علوية، كما بدأ، لتُصوّر عايش وهو نائم، لكنه هذه المرة ينام وسمات الارتياح تلوح على وجهه، وقد أبعد الغطاء/الكفن عن جسده، واستلقى متكوراً على جانبه في وضيعية تشابه طريقة نوم طفل سعيد.
وهكذا ينتهي فيلم عايش ليُمثّل شهادة حقيقية لنضج المخرج الواعد عبدالله آل عيّاف كعاشق للسينما، حيث يُتاح للمتأمل في أفلامه بدءا من التسجيلي القصير «السينما 500 كلم»، والروائية القصيرة الثلاث «إطار» و»مطر» و»عايش» أن يستشف بعض الملامح الأساسية الجمالية في أسلوبه الإخراجي، أولها إدراكه لأهمية عملية المونتاج وحساسية حساب طول اللقطة بدقة متزامنة في علاقة إيقاعية مدروسة للقطة الواحدة وربطها بما قبلها وما بعدها، وهي خاصية أخذت تنضج لدى آل عياف بشكل تصاعدي ابتداءً من فيلمه الأول الذي اعترته لحظات تطويل، فيما استمرت الى حد ما في «إطار» وتقلصت في «مطر» حتى بلغت الدقة المدروسة في «عايش»، وساعدت على اختيار اللقطات المأخوذة بزوايا تصوير محكمة ومتأنية في قرب أو بعد البؤرة ومؤكدة من ملاءمة الحجم في الكادر.
وتأتي سمة أخرى تتعلق بتحري دقة الصوت ومناسبته للصورة المعروضة كصفة بارزة عند آل عياف، فهو يهتم بالأصوات الطبيعية كثيراً بما يؤكد عنايته، مع مساعده طراد القحطاني، في وضع لاقطات الصوت (الميكروفونات) في أماكن مختبرة، ثم عمل التوليف والمزج الصوتي المُحكم أثناء التثبيت المعملي لشريط الصوت، ليعطي للباعثات الصوتية قوةً أو ضعفاً أو إحاطة أو خلفية بحسب بعدها المشهدي الظاهر، وفي كلٍ لا يستخدم الموسيقى التصويرية التأثيرية إلا في مشاهد محددة ليحدث بها أثراً نفسياً محدداً عن المتفرج، كما في اللحظة التي حمل فيها «عايش» الطفل. ويأتي الاشتغال عنده على الإضاءة والظلال متأرجحاً بين الإجادة الفنية الكاملة غالباً وبين العبور السريع أحياناً، ففي لقطات ساعات الفجر نجده دقيقاً، في حين اللقطات الداخلية تظهر بعض الكوادر مموهة وتجعل المشاهد مرتبكاً في تحديد الوقت أو المكان أو معالم مكونات الصورة، وإن كان تأثيرها يتلاشى في سياق الفيلم، حيث يكون الاهتمام منصباً على الموضوع والحدث بما لا يلفت إنتباه المُشاهد.
ويلاحظ أنه يستخدم فترات وموقوتية الإظلام وإعادة دوران الصورة بحرص بالغ، وأنه يجيد استخدامها بحساسية مقدرة من حيث عدد المرات وزمنية استغراقها، ويدرك أن الفيلم القصير لا يحتمل كثرة وطول لحظات الإظلام، غير أنه أطال في الإظلام الأخير في «عايش» ونزل التتر للدرجة التي جعلت المشاهد يعتقد بانتهاء الفيلم، ثم فاجأه بعد قرابة الدقيقتين بظهور عايش متكوراً وبجانبه الدمية.. هذه الإطالة أحدثت قطعا في الحالة الإيهامية للمشاهد، وكان ينبغي تقصير مدتها بما لا يخل بتعايش وانسجام المشاهد..

جمالية اللقطة القريبة
وغير ذلك يحفل المخرج كثيراً باللقطات القريبة التي تصور تفاصيل الأشياء وتكسب الفيلم جمالية أخاذة، فنشاهد في «عايش» لقطة قريبة لبراد الشاي يتصاعد منه البخار، أو نملة صغيرة تمشي مترنحة في فيلم «مطر» لتوحي بترنح البطل إذا فقد بصره، وأيضاً لقطة مقربة لإطار السيارة التي ستقل الشباب الى البحرين لمشاهدة فيلم سينمائي «السينما 500 كلم» وقد انغرز مسمار فيه، أو «حمامة» تقف لتشغل الكادر بأكمله في «إطار».. والكثير من اللقطات التي يجتهد آل عياف في تكوينها ليست فقط لتضيف إلى البعد الجمالي للصورة، وإنما لتخدم الفكرة والإيحاء المراد توصيله للمشاهدين.


عدد القراءات: 2,230

أعلى الصفحة

إرسال هذا الموضوع لصديق

طباعة


تعليقات القراء


لا يوجد.


| أضف اليوم للمفضلة | عن الدار | تاريخ الدار | الهيكل الإداري | التوظيف | المبوبة | اتصل بنا | مشاركاتكم | ملاحظاتكم | اربط معنا | حول الموقع | اجعل اليوم صفحة البداية |


الأولى وأهم الأخبار - الرأي وتعليقات القراء - اليوم الاقتصادي - الميدان الرياضي

تصميم وتطوير دار اليوم للصحافة والطباعة والنشر - جميع الحقوق محفوظة ©

استضافة صحارى نت