|
|
الرأي
|
|
حنان التركي
السعوديون والحب.. و«العيب»! | حنان التركي |
| أعادني مشهد ذلك الرجل الذي يتمشى ذات مساء على كورنيش الدمام ممسكاً بيد زوجته في حنو غريب ومعهما طفلهما الوحيد إلى مقال قرأته لإحدى الزميلات قبل فترة، حيث تساءلت بمرارة وحسرة : لماذا عاطفة الحبّ في وجدان السعوديين كائن خديج وغريب جدا؟!
فالزوجان اللذان كانا يسيران يداً بيد، تعرضا لنظرات استنكار ممجوجة، وتعليقات لاذعة كان بعضها سخيفاً وغير مهذب على الإطلاق، وبينما كنت أتابعهما بإشفاق، رمقني «أبو العيال» قائلاً: وش فيك؟
هززت رأسي متمتمة: نقدر أنا وأنت ونمشي كذا في يوم من الأيام؟
صرف بصره بعيداً، وتحجج بمتابعة الأولاد، واكتفى بإشعال سيجارة وابتعد قليلاً دون أن ينطق أو يعلق!
***
في جلساتنا العائلية وفي الأفلام القديمة، كنا نرى الحب في العيون قبل أن يصبح معلباً وقالباً من الثلج هذه الأيام، أو مكتوماً في حالة فصام مع الآخر أمام شاشات الفضائيات، كل يغني على ليلاه.. إليسا، نانسي عجرم، أو هيفاء وهبي وغيرهن من أولئك اللواتي تسببن في بلادة ذهنية عربية تكتفي بإمعان النظر في التليفزيون لدرجة ابتلاعه، لم تكن الكلمات البسيطة تعرف خلفيات إهداء وردة لأنها حمراء، أو كلمة اشتياق يتكبر عليها الرجل لأنها قد تطعن في رجولته أو تضعف من وجوده، أو تهز من وضع غترته وعقاله.
مشاهد رجالنا في الأسواق وتصرفات معظمهم الذكورية داخل أسوار المنازل، لا تستوعب لغة التفاهم، فالنهر والزجر هما وسيلة لاغتيال أي عاطفة إنسانية، والصراخ والأمر كفيلان بتحويل الحياة إلى لعبة توجس وريبة وتخويف يجب أن نعترف بصراحة وبوضوح أنها أصبحت تغذي ثقافتنا المحلية.. ثقافة أن كلمة الرجل هي العليا، وأنه هو الذي يجب أن يتقدم زوجته بخطوات حتى في جولة تسوق، وهو الذي يخجل من ذكر اسم «حبيبته وأم عياله» ويكتفي بأن تكون «حُرْمَة» مجهولة الهوية والمصدر!
كثيرون منا ألقوا بالمسؤولية على ثقافتنا الاجتماعية، وحملوها ما لم تتحمله أحداث 11 سبتمبر، وقالوا إن هذه الثقافة ومعها كل خطابنا التربوي والأخلاقي كرست فينا منذ الصغر أن «الحبّ عيب» ولتعزيزه والترهيب منه تم ربطه بالخطيئة الكبرى في قصص ضحايا الاستغلال والعنف والتحرش، متناسين أن هذه الثقافة هي التي عاشت فيها أروع العواطف الإنسانية وأنبلها في جزيرة العرب، منذ الجاهلية وحتى عصور الازدهار الإسلامية، وخلد لنا الشعر العربي حكايا عنتر وعبلة، وجميل بثينة وغيرهم.
مشكلتنا الحقيقية، أن مشاعر الخوف والريبة والشك والحرمان، أصبحت هي البطل الحاضر، دون اعتراف بقيمة الفطرة التي خلقنا الله عليها، وبالتالي نقع ضحية النصب في العواطف والاستغلال في المشاعر.. ولهذا نسمع كثيرا عن تلك القصص المضحكة التي يقلد فيها رجل صوت امرأة، ويمارس الاستدراج و»التسحيب» بكل سهولة وسذاجة، ببعض الصور المزيفة، وتحويل أموال وبطاقات شحن لتسهيل مكالمات آخر الليل، وغيرها من تلك المواقف التي يتم تناقلها على الجوال!
مشكلتنا الرئيسية، أننا بحاجة للكلمة «الحلوة» بدلاً من هذه الطريقة الحادة في التخاطب، وبحاجة للرقة بدلاً من العنف، وبحاجة لاكتشاف أنفسنا من جديد ضمن الأطر المباحة والمقبولة أخلاقياً، بعيداً عن المصادرة والإلغاء والكبت.
مشكلتنا أننا نحتاج أكثر من أي وقت للتصالح مع أنفسنا، ومع عقولنا ومع ذاتنا، دون كل هذه الأسوار العالية التي تفصلنا عن بعضنا البعض، بيوتنا مجرد سجون جميلة، وشوارعنا ملغومة، ومدارسنا مكتومة، واسألوا المعلمين والمعلمات عن القصص المأساوية..
أيها السادة.. لا تسلخونا من إنسانيتنا؟
hturki66@yahoo.com |
|
عدد القراءات: 4,274 أعلى الصفحة | إرسال هذا الموضوع لصديق | طباعة |
|
|
|