في هذه الصفحة، نبحر أسبوعيًا مع كاتبنا الرشيق، نجيب الزامل، مستدعيًا يومياته، التي يلخصها لقراء (اليوم) في سبع تجارب ذهنية وفكرية، يثري بها الأفق السياسي والفلسفي والتاريخي والجغرافي والثقافي.
إنها تجربة يتحمّلها الزامل وربما نتحمّلها نحن بإسقاطاتها، وتداعياتها وخلفياتها، حتى لا يكون في العقل «شيءٌ من حتى».




جرَس: أيام هذه النزهة كلها إجابات لأسئلة تجمّعت لدي، وأرجو من أصحابها المعذرة على التأخر بالإجابة.


استدراك:  أرجو المعذرة للتوقف المؤقت للنزهة


 









اليومُ الأول: سبقوك فيها الرجاجيل يا كوبرنكس:


رسالة من الدكتور العربي مفتدى القدّوري، أحد أعضاء معهد الأنثروبولوجي بلوس أنجلوس: «في كلمتك بملتقانا تكلمت عن «ابن حزم» وأثره الأنثروبولوجي الديني في الأندلس والعالم الإسلامي، وأثار لغطاً كبيراً ما قلته إن ابن حزم سبق كوبرنكس في مسألة كروية الأرض، وطلب مني مدير المعهد إيضاحاً منك، وإني أشكر أخي الدكتور، وقد أرسلت له ما أراد، واستأذنته أن أضعها هنا مترجمة للعربية.

المميز بالفقيه «أبو محمد بن حزم»، وهو صاحب المذهب الظاهري في الأندلس وتبعه كثيرون، قاوم تيار فقهاء عصره مرتين: مرّة حين أوجد مذهباً جديدا في الفقه، ومرة حين قام يدْرس، ويدرِّسُ العلومَ العقلية كالفلسفة والمنطق والمجسطي والحساب غير عابئ بنقد خصومه له، وقد نادى «ابن حزم» في زمنه بصراحة بكروية الأرض وأكدها بالبرهانين العقلي والنقلي، أما البرهانُ النقلي فهو من قوله تعالى: «يكور الليل على النهار ويكوّر النهارَ على الليل»، ويبين ابن حزم أن هذا أكبر تأكيد على كروية الأرض، وكوّر كلمة بمشتق عربي صريح تعني كوّر العمامة، أي لفّها وأدارها، وأما البرهان العقلي فهو أن الأرضَ لو لم تكن كروية حسب استنتاج صاحبنا ابن حزم لكان من يسكن اقاصي الشرق يصلي الظهر في أول النهار، ومن كان في آخر الغرب فلا بد أن يصلي الظهر في وقتٍ لا يمكن أن يترك متسعا لصلاة العصر حتى تغرب الشمس، وظل ابن حزم يعتقد أن الشمسَ تدور على الأرض من مشرق إلى مغرب، ومن مغرب إلى مشرق وأنها حقيقة يؤكدها كما قال: «البرهانُ الضروري المشاهد بالعيان»، شارحا إياها بوضوح أكثر من ترميز وتقعير «كوبرنكس» وغموض همهمة «جاليليو»، ولما تقرأ لابن حزم ستجد أنه سيقول: «لا الشمسُ ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس»، على أن الشمسَ أبطأ من القمر ثم يتابع قائلا: «وهكذا قام البرهانُ بالرصد أن الشمسَ تقطع السماءَ في سنة، والقمر قطعها في ثمانية وعشرين يوما».

بالله عليكم وشتقولون بها الرجّال،، أبو محمد بن حزم؟


 





 


اليوم الثاني: وهذه معلومة إضافية للدكتور مفتدى والإدريسي كذلك!


وهذه إضافة لم يطلبها حبيبنا الدكتور مفتدى، وهي أن الجغرافي العظيم الإدريسي، وأعتبره عمدة الجغرافيين العالميين، له باعٌ كبير في مسألة كروية الأرض، الإدريسي من أصل بربري مغربي من أسرة اسمها «بني حمود» حكمت جنوبي الأندلس-فقط لتعرفوا أن للأندلس تاريخا يختلف عن تاريخ الأمم بتياراته ونزاعاته وحضاراته المتداخلة، وضجّة الحركة الحضارية فيه أيام الحكم الإسلامي- أما لماذا سمي الإدريسي بِـ»الشريف» كما سألت الأستاذة «يُمنى» من كلية «إفران» بالمغرب -وهي التي جعلتني أضيف هذا زيادة فوق طلب الدكتور مفتدى- فالإدريسي ينتمي لأسرة «الأدارسة» التي أيضا حكمت المغرب من القرن الثاني للهجرة ومن هنا جاء لقب «الشريف»، الادريسي مغربيٌ ولد بمدينة «سِبْتة» وهي بالذات لعبت دوراً عظيماً في تاريخ الأندلس والمغرب، ويكفيكم أن تعلموا أن الإدريسي في كتابه «نزهة المشتاق» بدأ حديثه فيه عن كروية الأرض، يؤسفني أن أقول لكم ان المرجع العظيم هذا «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للإدريسي عبارة عن موسوعة من عدة كتب توجد منها نسخ مخطوطة عديدة في العاصمة الفرنسية باريس، وفي مدينة أكسفورد البريطانية، وفي إسطنبول التركية،، أما في البلاد العربية فيوجد في،، لا، لا، لا يوجد!


 





 


اليوم الثالث: أقذر جيش سري سحري في تاريخ البشر


تسأل فاطمة من «صفوى»، هل صحيح أن هناك جيشاً سحرياً في «هاييتي» أرعبَ الناس، أخبرتني عنه طالبة من «هاييتي» يوم كنت أدرس بجامعتي الأمريكية؟

زميلتك يا فاطمة لم تكن الوحيدة في «هاييتي» التي عانت من هذا الجيش الذي اختلط فيه الوهمُ مع الحقيقة، والخوفُ والذعرُ مع الواقع، والإرهابُ المستطير لما تأتي من مخيلة مريضة من دكتاتور دموي مجنون، على أني أشك جدا أن صديقتك الهاييتية قد عاصرت ماسمته بالجيش السحري، فإن كنتِ يا فاطمة من ضمن مبتعثات مشروع الملك عبدالله فلا بد أنك من كتيبة مواليد الثمانينيات الميلادية إن كنت من أول الدفعات، وبالتالي فإن زميلتك اعتقد أنها من عمرك، والجيش السحري فكَ أهل تاهيتي من شروره ومذابحه بعد العام 1986م، وربما وقتها لم تولدي بعد أو أنكِ في سنوات الطفولة الأولى، على أي حال دعيني اشرح لك سرَّ أقوى واشرّ جيش على الأرض قاطبة، كما تعلمين «هاييتي» من جزر الأنتيل في البحر الكاريبي قرب كوبا والدومنيكان، وهي واحدة من أفقر بلدان الأرض، وسكانها لا يصلون لتسعة ملايين نسمة، جلهم من الأفارقة الذين أحضرهم المستعمرون الفرنسيون من القرن السابع عشر، وعاشت هناك أغرب ظاهر أنثربولوجية وهي اختلاط الوثنية الأفريقية مع المسيحية الكاثوليكية لتخرج عقيدة غريبة وهجينة، مثلما اخترعوا لأنفسهم لغة هجينة بينهم غير الفرنسية الرسمية، ويتسم تابعوها بالإخلاص الشديد لها، والميل القوي لاعتناق الخرافات، وظهرت بينهم عقيدة «الفودو»، من تلك الآلهة التي عاشت وسط غابات أفريقيا وعلى سواحلها الغربية، وهي آلهة الشر والسحر المستطيرين، بل إن «الفودو» هي أكثر أنواع السحر الأسود رعبا، وجعل منها الهايتيون عقيدة غامضةً داكنة بآلهتها المخيفة، فالإنسانُ الهاييتي يخرج من كنيسة الأحد الكاثوليكية، ليذهب لأداء صلواته رعبا وارتعاشا في محافل معبدية يرقص بها سدَنةُ المعابد وكهنة السحَرة بدمياتهم المخيفة التي تشكل جسد الإنسان المقصود سحره، ولما استقلت «هاييتي» من الاستعمار الفرنسي دخل شعبها الذي لم يتعد الأربعة ملايين عندئذ جحيماً حقيقياً على الأرض، حكمها الدكتاتور الأشر «بابا دوك دوفيلييه»، وكما يكون هناك حرس جمهوري عنيف ومدرب ومتوحش عند عتاة الديكتاتوريين والطغاة، كان عنده جيشٌ مخيف سري يسمى «تونتو ماكونت»، وهم الحرس المدرب القاسي القلب المنزوع الإنسانية والذي عسفهم الديكتاتور بتهديدات آلهة الفودو المنتقمة، ثم صورهم للناس أنهم أبناء الآلهة السوداء نفسها، وغمست هذه القوات أياديها وخناجرها وبندقياتها في دماء الهايتيين بل حتى في ظاهرة العضِّ بالأسنان بتمزيق اللحم الحي للضحايا حتى الموت، ولما توفي هذا الطاغية في العام 1971م كان جيشه الرهيب السري قد قتل وسحل ومزق بالأسنان أكثر من خمسين ألف روح، ثم جاء ابنه «بابا دوك دوفيلييه» الصغير وأعلن نفسه رئيسا أبديا لهاييتي، وترحّم الهايتيون على أبيه مقارنة بساديته وشره وولهه بالشهوة والدماء، كما جمع الملياراتِ بحساباتٍ سرية وأفقر شعبَه حتى صار الأطفالُ يلحسون قارَ الإسفلت في الشوارع ولا يجدوه، ثم قامت عليه ثورة هيجاء بدعم عالمي منقطع النظير، ففر الحقيرُ جباناً نذلا، وتخلص الهايتيون من الجيش الشيطاني السري،، حتى الآن!


 





 


اليوم الرابع: الالمان هم رومانسيو اوروبا، معقول؟


عادة تخصص هذه الفقرة للتأمل المفتوح، ولكن لغياب النزهة تجمعت أسئلة ومن حق أصحابها عليَّ التعامل معها، أيمن بخش يسأل عن الرومانسية في الأدب الأوروبي، وهل هو ما نفهمه عن الاستغراق في العاطفة كما نفهمه في أدبنا؟

ليس على التحديد أستاذنا، فالموجة الرومانسية التي اكتسحت أوروبا وأمريكا في نهاية القرن الثامن عشر كانت مضادة للمدرسة الكلاسيكية التي سبقتها التي يكون المفكر من أعمدة المجتمع، فالرومانسية هذه هي تتابع ظاهرة المفكرين والأدباء المنزوين عن المجتمع والمتمردين الذين يريدون خلوة مع عطاءات عناصر الطبيعة، ثم انهم غير الكلاسيكيين لا يحبون المتنزهات والحدائق المرتبة بل يلجأون للغابات والأحراش الطبيعية المتوحشة، ويحبون الأشياءَ في طبيعتِها الأولى وليس في شكلها المهذب والمنمَّق، ثم انهم غالباً ما يفكرون عكس ما اعتاد عليه المجتمع ويخوضون في تيار خاص متصادم مع تياره العام، لكن الأغرب يا أستاذنا أن المدرسة الرومانسية بدأت من المانيا، فكثيرون يعتبرون الألمان باردين عاطفةً، جادين عقلياً، ومنضبطين عسكريا، لكن الرومانسية بدأت من ألمانيا وسميت باللغة الأدبية الألمانية «Sturm und Drang» أي «العاصفة والتوتر»، وقاد هذه الحركة أفخم من في الفكر الألماني مثل «جوته» و»تشيلر»، وتبعهم الإنجليزيان الكبيران «وورزدورث» و»شيلي»، روح الرومانسية أصابت أيضا مفكرينَ فلاسفةً قُساة مثل «كـَنْت» و»هيجل»، ورسامين وموسيقيين من «ترنر» إلى «تشايكوفسكي».


 





 


اليوم الخامس: من الشعر الأجنبي أترجمه بتصرف


برسالة بالإنجليزية من المبتعثة لدراسة الطب بكندا «س،ع» وكتبت اسمها كاملا، وآثرتُ ألاّ أعرضه حيث لم أستطع أن آخذ سماحا منها تقول فيها: «هذه قصيدة بالإنجليزية طويلة كتبتها من معاناتي الخاصة كفتاةٍ، وأعرف صعوبة نشرها في يومك الخامس بالنزهة لطولها، فاختر ما تراه أكثر تعبيراً عن فكرتي وراء القصيدة».




Tell them we died of Unger,

When people talk about toleration

Tel that some of us are dying abroad,

Why? Because we care too much،

You, society-makers lover of towers and mountains,

Who fashion the time of day with visions,

Who are not put off with fine phrases-

We also loved the world…

We have no voice left… but yours!




اذهبْ واخبرهم أننا نموتُ غضَبا

عندما يتكلمون عن الصبر والتحمُّل

اذهب واخبرهم أن بعضنا يموت في الخارج،،

لماذا؟ لأننا نهتمّ كثيراً، وبالكذبِ لا نتجمَّل

أنتم يا صناع المجتمع، يا محبي العلوَّ والسمو

يا من ضمائركم بالنفاق لا تتعطل

يا من توجهون أيامنا وأوقاتنا برؤياكم

لا تنسوا أننا أيضا نحب العالمَ ونتأمَّل

ولم يبق لنا صوتٌ،، إلاّ صوتكم!


 





 


اليوم السادس: قصة لقلبك حقيقية: ابنتي لا ترى،


لأبٍ ابنةٌ ولدت مضيئة، وكبرت لتصير فلقة جمالٍ وقوة عقل ورزانة أخلاق رغم العمر الباكر، شاء الله أن تُصاب بمرضٍ نادرٍ بشبكة العين لا علاج له، ومع السنين صارت تفقد بصرَها حتى غاب عنها العالم، الأب حنونٌ بطبعه ولا يرى الدنيا إلا من خلال ابنته الوحيدة هذه، فإن الله مَنَّ عليه بهذه الجوهرة الوحيدة لتكون محور حياته، نبض قلبه، نداء قدَرِه، ومسار مصيره، كل العالم صار يدور حولها وحول عينيها، نفض أعماله، وتفرغ ليقرأ عن المرض حتى صار من خبرائه، لم يفقد الأبُ أبدا الأملَ أن نور عيني ابنته سيعود اليها، فلم يقف عن البحث، ولم يترك طبيبا ولا مستشفى في العالم سمع عنه إلا وارتحل اليه مع ابنته، ودائما: «آسفون، لا علاج»، «لو كان بيدي أن اقلع عينَيَّ وأعطيهما إياهما يا أخي لفعلت وسأكون اسعد الناس»، هذا ما كان دوما يردده على مسامعي، هاتفني من بلد بعيد وقال لي: « أخذت ابنتي لطبيب يعالج بطبٍّ بديل، دارت شهرتُه بالعالم كخبير بهذا المرض النادر الذي سرق الضوءَ من أجمل عينين، من عينَيْ ابنتي، وذهبتُ إليه ووجدت مرضى عاد شيء من نظرهم من علاج مرحلي معه، وتفاءلتُ خيراً، وقضيت الوقتَ مع الطبيب ومعها، وفي الليل أصلي وأتهجّد وأدعو الله أن يعيد بصرها إليها»، بعد عدة أسابيع من العلاج المتواصل، والطبيب يصر أنها تتحسن، إلا أنني لم اصدّق،، لأنها ما زالت في ظلامها، اليوم صباحا أخذتها لمطعم على جبلٍ شاهق، وكان المنظرُ ربّانياً من روعة الجمال، سهولٌ موشّاة بألوان الزهور، ونهرٌ عريض جار يشق السهل الممتد، والغيماتُ تداعب رؤوسنا من هذا العلو وتدخل المطعمَ وتحلّ على طاولاتنا،، وقلت في قلبي ليت بنتي ترى هذا الجمال؟ وكأنها حبيبتي سمعتني، وقالت: أبي،، إني أرى ما تراه، عاد لي نظري».


 





 


اليوم السابع: لا تقلق،، ستصفى الرؤية


 لا تقلق،، ستصفى الرؤية

إن القلق في حياتك لا يعني أن هناك شيئا خاطئاً في حياتك، بل إن هناك شيئاً تغير بحياتك، إن هذا التغيير يسبب لك إرباكا نفسيا لأنه أخرجك عن مسار حياتك الرتيبة المعتادة، وبعد وقتٍ ينقشع غبارُ الإرباك، وتعود الرؤية صافية من جديد، فلا تقلق من التغيير، بل كن سعيداً بمجاراته،،











نجيب عبدالرحمن الزامل

‏13‏/05‏/2014م