ثمة مفارقة كبرى في السوق السعودي تتمثل في احتوائه على أكبر شركات مؤثرة في اقتصاديات العالم، إلا أنه في المقابل لا يعير اهتماماً يذكر بمجال العلاقات العامة، ولا يؤمن كثيراً بأهمية دوره في إبراز الوجه الحقيقي لهذه الشركات. ما أوجد فجوة كبرى بينها وبين المجتمع بشكل عام ماجعل الانطباع المأخوذ عن العلاقات العامة قاصراً، وغير ذي جدوى عند كثير من التنفيذيين أو المجتمع عموماً.
لكن وسط هذه المفارقات يبرز أشخاص يمتلكون من الخبرة المهنية والعلمية ما يعيد بعض الاتزان إلى صورة العلاقات العامة، وأهمية الدور الذي تقوم به دونما تضخيم أو تهميش.
من هؤلاء منذر محمود طيب مدير عام إدارة العلاقات العامة والتواصل في «شركة بي أيه إي سيستمز» كبرى الشركات العالمية المتخصصة في مجالات الدفاع والأمن والطيران، والتي يعمل على إدارة وتشغيل عملياتها ما يربو على 107,000 موظف حول العالم « بحسب موقعها الالكتروني» .
وتاليا تفاصيل الحوار ...


•• بداية .. هل أنت راضٍ عن الانطباع المأخوذ عن دور العلاقات العامة في الشركات العاملة في المملكة ؟

- ليس بشكل تام، فللأسف هناك من المدراء التنفيذيين في الشركات الكبرى العاملة في المملكة، من لا يزال يرى أن العلاقات العامة مجرد إدارات تستنزف جزءًا من الميزانية، دونما أية فائدة، ودون أن تحقق أي دخل يذكر، وهي نظرة قاصرة، المتسبب فيها في اعتقادي الطرفان، مسؤولو العلاقات من جهة والمدراء التنفيذيون من جهة أخرى، فالطرف الأول لا يسعى إلى إثبات قدراته بشكل احترافي، والتنفيذيون يهتمون أكثر بتطوير مهاراتهم القيادية دون أن يعيروا العلاقات العامة أي اهتمام، وكلاهما بالطبع على خطأ.



••  لكن شكل العلاقات العامة الآن اختلف عما كان عليه قبل عشر سنوات ما يفيد أن ثمّة تغيرات مهمة حصلت ؟

- أتفق معك  فشكل العلاقات العامة قبل عشر سنوات، يختلف عمّا هو عليه الآن، خاصة وأنه بدأت تظهر استراتيجيات جديدة في آلية العمل تسمى استراتيجيات الإعلام، وأصبح لدى الإدارات  في الشركات الكبرى خطط مختلفة مرتبطة بأهداف وفترة زمنية محددة، وتطالب بنتائج يُسألون عنها في نهاية كل مدة زمنية، وهي صورة تختلف بالطبع عمّا كانت عليه في السابق، فموظف العلاقات كان دوره ينحصر في مجرد استقبال ضيوف وتوديعهم من وإلى المطار، أو إقامة حفل، أو مطالبته بتقوية اتصاله بالصحافيين، لنشر أخبار الشركة، لكن هذه الصورة تغيّرت الآن وعفا عليها الزمن.



••  نلاحظ  أن كثيرا من الأخبار المنشورة عن الشركات في الصحف لا تحمل في مجملها رسائل مهمة تذكر، ما هو السبب؟ 

- السبب يعود إلى عدم احترافية مسؤولي العلاقات العامة، فقطاع كبير من منسوبي هذا القطاع مازالت لديهم قناعة أنّ نشر  الخبر دون أية رسالة  هو هدف بحد ذاته، وهذا غير صحيح، لأن الخبر المنشور إذا لم يحمل رسالة واضحة ومحددة سيفقد قيمته، هذا إن لم يأتي بنتائج سلبية عن الصورة العامة للشركة لدى المتلقي،  وأنا واجهت صعوبة كبيرة في هذا الجانب ،حينما كنت أتولى مسؤولية الإشراف على العلاقات العامة في شركات أخرى، حيث كنت أفاجأ بأن الزملاء في الإدارة حريصون فقط على إبراز اسم الشركة أيّاً كان مضمون الرسالة، وأياً كان شكلها، وهو ما كنت أرفضه وأعمل على تقويمه وتعديله،  وبعد انتقالي إلى شركة «بي أيه إي سيستمز»  عملت على أن يكون لكل خبر رسالة، ولكل إعلان هدف. وتعاونّا جميعاً في الشركة كفريق عمل على التدريب على صياغة الخبر، وكيفية كتابته، بحيث يخرج عنوان رئيس للرسالة التي نود إيصالها لمن نستهدفهم في الشركة.



••  ما هو الجمهور الرئيس الذين تستهدفونه في  شركة «بي أيه إي سيستمز»؟

- نستهدف كافة شرائح المجتمع حيث نعد انفسنا جزءًا لا يتجزأ من المجتمع وتربطنا علاقة شراكة مستديمة، أما فيما يخص اعمال الشركة التجارية فبالبطبع العسكريون بشكل عام سواءً في وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية أو الحرس الوطني، بحكم أننا ثاني أكبر شركة دفاع على مستوى العالم، إضافة إلى كبار المسؤولين في المملكة،ونستهدف القطاع الصناعي بما أننا شركة صناعية، هذا عدا الموظفين والجمهور العادي من المواطنين الذي نحرص على إيصال رسالة إليه توضح له أهمية الشركة ودورها في المجتمع.



•• وهل تشعرون بتجاوب المجتمع مع رسالتكم؟

- الحمد لله ويكفي أننا نحقق أكبر نسبة سعودة في الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في المملكة، وأصبح الانتساب إلى شركة «بي أيه إي سيستمز» حلم وطموح كثيرٍ من الشباب بل وحتى الفتيات السعوديات، لما توفره الشركة من مميزات قَلّ أن يجدها الموظف في أي مكان آخر.



•• العلاقات العامة تلعب دوراً خطيراً في التحكم في العمليات الاتصالية التي تتم بين المستويات الإدارية المختلفة، وكذلك في تكوين الصورة الذهنية للشركة للجمهور الداخلي والخارجي.. كيف نجحت في القيام بهذا الدور في ظل وجود موظفين من مختلف الثقافات والجنسيات، وفي ظل بيئة عمل  متباينة جغرافياً مع الدول الأخرى غير المملكة؟

- هذا الدور من أصعب ما يمكن، خاصة ونحن نواجه في  «بي أيه إي سيستمز» ثقافات مختلفة لمنسوبيها، فالبريطاني على سبيل المثال يختلف في عاداته وقيَمه عن السعودي، والهندي يختلف عن الاسترالي، وجميعهم في الأخير تضمهم شركة واحدة، وهنا يأتي دور العلاقات العامة، للتقريب بين هذه الثقافات، ومنع أي تصادم فيما بينها، قد يؤثر على سير العمل وآليّته، ومطلوب من فريق العمل هنا اتباع وسيلة يتفق عليها الجميع للتواصل فيما بينهم رغم اختلافهم. والحمد لله فريق عمل العلاقات العامة في الشركة يُدرك أبعاد هذا التباين، ويعي جيداً كيفية التعامل معه، وتكفي الإشارة هنا إلى صعوبة كتابة خبر ما يتعلق بالشركة مثلاً، فالخبر الموجه للقارئ أو المتلقي السعودي، منطقياً يختلف عن غيره الموجه للقارىء البريطاني، وهما معاً جمهور مشترك ومستهدف من الشركة، لذا لابد من طريقة احترافية لمواجهة هذا الاختلاف والتباين، وتحقيق نفس الرسالة في أي من البلدين، أو في أي بلد أخرى لنا حضور وتواجد فيها.


طيب : يكفي أننا نحقق أكبر نسبة سعودة في الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في المملكة، وأصبح الانتساب إلى شركة «بي أيه إي سيستمز» حلم وطموح كثير من الشباب بل وحتى الفتيات السعوديات، لما توفره الشركة من مميزات قلّ أن يجدها الموظف في أي مكان آخر


•• في جانب المسؤولية الاجتماعية .. لماذا لا تقومون باحتواء الخريجين الجدد من أقسام العلاقات العامة، وتعملون على تدريبهم والدفع بهم إلى سوق العمل؟



- نحن لدينا مشروع كبير تتبناه «بي أيه إي سيستمز» يسمى مشروع الخريجين، قائم على استقطاب الخريجين الجدد، وتدريبهم وتوظيف المميز منهم سنوياً.



•• وكيف ترى مستوى الخريحيين الأكاديمي؟

- المستوى إلى حدٍ ما ضعيف، خاصة وأن المنهج الذي يدرسه بعيد نوعاً ما عن سوق العمل، وهي إشكالية نواجهها بتدريب الخريج عملياً بشكل مكثف، بحيث يتفهم حقيقة دور ووظيفة العلاقات العامة في شركة كبرى مثل «بي أيه إي سيستمز» ونوفر له في الوقت نفسه كل ما يحتاج إليه من معلومات ومحاضرات ونلحقه بالعمل بشكل فعلي وهو ما يكسبه خبرة مهنية تنعكس إيجاباً على أدائه لاحقاً.



•• هل تكتفون بهذا الدور في المسؤولية الاجتماعية خاصة وأنكم شركة كبرى في المملكة والعالم؟

- بالطبع لا ، فالشركة لديها برامج مختلفة ومتباينة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تبني أكثر من 400 أكاديمي سعودي، في فترة الصيف، وإرسالهم إلى أعرق الجامعات البريطانية، للبحث والتواصل مع نظرائهم الأكاديميين، وإجراء بحوثهم وتحمّل كافة الجوانب المادية المرتبطة بها، ورعايتهم مادياً طوال فترة إقامتهم وسفرهم، لحين عودتهم إلى المملكة ببحوثهم، وتوظيفها من قبلهم في مناحي الحياة العلمية السعودية المختلفة، دون تدخل من الشركة، وإنما يترك الأمر للباحث أو الأكاديمي ليوظف بحثه في الجهة التي يراها مناسبة، وهو برنامج نطلق عليه اسم « بي أيه إي سيستمز- السعودية لأبحاث ما بعد الدكتوراه» و يقام بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني وبإشراف من قبل وزارة التعليم العالي، نسهم من خلاله في تعزيز التطور التعليمي في المملكة من خلال دعم الأكاديميين السعوديين من مختلف الجامعات السعودية لإجراء أبحاثهم في مراكز تعليمية متخصصة في بريطانيا. هذا في الجانب التعليمي، أما الجانب الإنساني فلدينا في كل مناسبة فريق يقوم بزيارة المرضى المنومين في المستشفيات من الأطفال أو الكبار، خاصة في الأعياد، وتوزيع الهدايا عليهم، إضافة إلى تبني نشاط ترفيهي مكثف في رمضان، ندعو فيه الجمعيات الخيرية والإنسانية العاملة في المملكة، وذلك إبراز دور هذه الجمعيات، وأهميتها في خدمة المجتمع، وغيرها من البرامج الكثيرة التي تصب في الأخير في صالح المجتمع مثل الأنشطة البيئية والخدمية المختلفة  التي يساهم فيها مجاناً منسوبو الشركة.



•• ما هي أهم المبادرات الاجتماعية التي أطلقتها شركة بي أيه إي سيستمز ؟

- أكرر بشكل دائم في كل اللقاءات الصحفية أن المبادرات والابتكارات وبرامج التطوير المستمرة هي التزام لا ينقطع، وله صفة الاستدامة في الشركة. ومنذ أن تواجدت بي أيه إي سيستمز في المملكة منذ نحو 40 عاماً وهي تسهم في خدمة المجتمع السعودي عبر برامج متعددة، وقد حرصت الشركة على تشجيع النشاطات التي تهم المجتمع ومساندة الأعمال التي تترجم المبادرة الوطنية في دعم برامج المسؤولية الاجتماعية بشكل يعزِّز الأدوار التي تقوم بها في مساندة البرامج الاجتماعية واعتبارها جزءاً من منظومة أعمالها وليس نوعاً من الأعمال الخيرية التي تقوم بها مجاملة، وقد ساهمت الشركة في رعاية العديد من المناسبات والمعارض والأحداث المحلية والفعاليات الرياضية والحملات الصحية وغيرها، كما رعينا برنامجا يسمى «البرنامج السعودي البريطاني للتعاون الرياضي» يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين في مجال الرياضة، ويتيح للخبراء الرياضيين في البلدين فرصة تبادل الخبرات في المجالات المشتركة، كما يساعد الشباب الرياضي في تحسين أدائهم واكتشافهم للأفكار الجديدة، إلى جانب أن البرنامج يشارك في نقل التقنيات الرياضية الجديدة إلى المملكة، وغيرها من المبادرات التي تتبناها الشركة تصب جميعها وللّه الحمد في خدمة المجتمع.



•• على كثرة الجمعيات المتخصصة في العلاقات العامة إلا أن تأثيرها يظل محدودا .. ما هو دوركم في الارتقاء بمستوى أداء العاملين في هذا المجال؟

- «بي أيه إي سيستمز» تعقد مؤتمراً سنوياً تستقطب فيه الخبراء والمتخصصين في العلاقات العامة للحديث والتواصل، وكم كانت سعادتنا بالغة ونحن نتابع وزارة الثقافة والإعلام وهي تقيم مؤتمرا شبيها عقدته قبل شهور، أبرزت فيه أهمية دور العلاقات العامة، ونتمنى من كافة الجهات والشركات أن تقيم أنشطتها المتعلقة بهذا الموضوع في داخل المملكة، بدلاً من إقامته في الخارج، ليستفيد منها الشباب، ويستفيد منها كل الراغبين في العمل في هذا المجال، وهي أمنية شخصية أرجو أن تتحقق، وأرجو أن أرى في داخل السعودية وفي كل مدنها مؤتمرات تتحدث عن أهمية العلاقات العامة، وأهمية دورها، وتبرز جهدها في خدمة الشركات المختلفة والمجتمع بشكل عام. كما هو حاصل في كثير من دول العالم.



••  على من تقع المسؤولية في الارتقاء بمستوى عمل منسوبي العلاقات العامة في السوق السعودية؟

- المسؤولية مشتركة، بين الإعلام وأخصائيي العلاقات العامة، والجامعات المختلفة، فالإعلام مطلوب منه توضيح أهمية هذا الجانب وتأثيره الكبير على آلية عمل المنشآت وقدرتها على تحقيق أهدافها إذا ما التزمت فيه بخطة ومنهج واضحين ، فمخرجات التعليم ضعيفة جداً، وبحاجة إلى تطوير كبير، و أخصائيي العلاقات العامة وممارسيه عليهم تطوير قدراتهم الذاتية، وإقناع الآخرين بأهمية دورهم، والجامعات بتطوير مناهجها التعليمية والأكاديمية، لتقدِّم خريجا يمكنه اللحاق بالمستوى المتقدم والتطور الحاصل في قطاع العلاقات العامة في السوق ، حيث إن كثيرا من هؤلاء الخريجين يعانون ضعفاً شديداً في مستواهم، وهم غير قادرين على إقناع أنفسهم بأهمية دورهم عوضاً عن عجزهم في إقناع من حولهم بجدوى دورهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه، إضافة إلى أن لي مطلبا خاصا وهو موجَّه في الأساس للمدراء التنفيذيين المسؤولين عن تقييم عمل هذه الإدارات، فمطلوب منهم أن يعملوا على أنفسهم، وأنا أتمنى لو أنهم يقومون بتطوير أنفسهم، كما يفعلون في المهارات الإدارية المختلفة، للوقوف على أحدث ما يمر به هذا العلم من تطور، ولو مرة كل خمس سنوات، حتى يمكنهم القيام بعملية التقييم بشكل علمي واحترافي، لأنه في الأخير لا يعقل أن تطالبهم بتقييم أمر غير ملمّين بكافة تطوراته الحاصلة يوماً بعد يوم.



•• بحكم مالديكم من اطلاع واسع في هذا الجانب.. ما هي نسبة الشركات المحلية التي تؤمن بأهمية دور العلاقات العامة في السوق السعودي؟



-قد تتعجب إذا أخبرتك أن  30%  فقط من الشركات العاملة في المملكة تؤمن بأهمية العلاقات العامة، وهذه النسبة تضم شركات متعددة الجنسيات، مثل بي أيه إي سيستمز أو شركة أرامكو، في  حين أن 70% يرون أن العلاقات العامة ليست ذات أهمية تذكر.



••  وهل لهذا الاعتقاد تأثير على ترتيب وتصنيف هذه الشركات وقدرتها على تحقيق أهدافها؟



- بالتأكيد فأداء هذه الشركات يقل، لأنها لا تؤمن كثيراً بأهمية دور منسوبيها، كما أنها لا تؤمن بأهمية دور المجتمع عموماً في إنجاحها والدفع بها نحو تحقيق أهدافها المرجوة.



•• أخيراً ... يتردد أنكم تلقيتم عروضاً من شركات كبرى للانتقال إليها.. ما هي حقيقة هذه العروض وهل ستتركون «بي أيه إي سيستمز»  قريباً كما يقال؟

- أولاً فيما يتعلق بتركي العمل في  «بي أيه إي سيستمز» فهذه المعلومة غير صحيحة، وغير واردة في المرحلة الحالية، خاصة وأنني مازلت قادرا على تقديم الكثير بإذن الله، أما فيما يتعلق بموضوع العروض، فالعاملون في هذا الجانب بشكل احترافي يمثلون عدداً قليلاً قياساً بما هو مطلوب في سوق العمل، وبالتالي عملية العروض قائمة بشكل دائم، وبالفعل لدي أكثر من عرض من شركات كبرى، لكنني لا أحبذ الانتقال من أجل الانتقال، وطالما أن لدي القدرة على  العطاء فأنا مستمر في «بي أيه إي سيستمز» وإن كنت على المستوى الشخصي أتمنى أن تكون هناك عملية تجديد دائمة للدماء، وحتى يمكن للمسؤولين في هذا الجانب أن يتبادلوا أماكن القيادة فيما بينهم، مع احتضان جيل جديد وتدريبه، لتكون الفائدة أكبر وأشمل على الجميع.