الذي يقرأ ميثاق الامم المتحدة، والكلمات المنمقة المختارة بعناية يتعجب لماذا لا يزال الـ7 مليارات إنسان (سكان العالم) شعوباً وقبائل تتعارك وتتحارب، وليسوا إخواناً يحب كل منهم للآخر ما يحب لنفسه، فالميثاق يفيض بالإنسانية والرحمة والسمو وبعبارات قوية ضد المارقين والغلاظ وعصابات المصالح، لكن المرء يصطدم بالواقع الذي يدير به الامميون الشؤون الدولية، لا ميثاق ولا سمو ولا ما يحزنون، إذ الأمين العام خادم أمين لدى القوى الكبرى، وموظفوه رقاصون وضاربو دفوف للأقوى، ويتنمرون على دول العالم الثالث، فيما هم حملان وديعة في حضرة الأقوياء. والعبارات المنمقة ليست إلا مخدرا لتبنيج الشعوب وتونيسها.

واخترعت الأمم المتحدة أسلوباً جديداً لـ«التخديم» على مصالح الدول الكبرى وحواشيها ومحبيها، باستحداث مهمة «مبعوث» الامين لقضايا محددة، ويأتي المبعوث وآمال الناس وحقوقهم، وكرامتهم ومصائرهم معلقة بذمته. لكنه بدلاً من تقديم حلول يشارك السفاحين في فتل المشانق.

وما إن يصل المبعوث إلى مضارب البؤس والدم يصاب حالاً بـ«مس» المراوغات والمماطلات، ثم يتولع بحب الدول الكبرى و«يتحول» فكرياً وفسيولوجياً، من ممثل أممي إلى «ممثل مسرحي»، وتبدأ المسرحية بلقاءات ومحادثات وزيارات، تصب كلها في خدمة الشريرين أحباء الدول الكبرى كي يلتهموا المزيد من الغنائم ويشربوا أنخاب الدم.

في سوريا لم يقدم طيب الذكر ستافان دي ميستورا أي جهد أكثر مما خدم روسيا وإيران، والهيام بسيرجي لافروف وتنفيذ رغباته. وحتى بعد أن قضى جون كيري نحبه وولى باراك أوباما الأدبار، لا يزال دي ميستوراً متمسكاً بـ«وديعة كيري» التي تقضي أن عظام السوريين ولحمهم هدية (لا تباع ولا ترد) لخامنئي ومواليه، مع أنه لم يكن لخامنئي ناقة ولا جمل في سوريا، لكن المبعوثين الأممين من كوفي عنان والاخضر الإبراهيمي حتى دي ميستورا، أعطوا لإيران صكوك التصرف في سوريا. والدليل أنهم لم يعارضوا آلة القتل الإيرانية وجلبها ميليشيات من أقاصي الأرض، ليقتلوا السوريين ويهجروهم ثم يسطون على منازلهم ويتوطنون في سوريا. ودي ميستورا لا يقدم سوى نصيحة واحدة للسوريين «أن يهربوا»، كي يعطي إيران الفرصة للتغيير الديمغرافي وتوطين الأفغان والباكستانيين.

في اليمن، بدلاً من أن يجتهد المبعوثون، مبكراً، بحل سريع وحازم، قبل أن يتوحش الحوثيون ويلغوا بالدماء وهدم المدن، انتهج المبعوثون الأمميون، قصداً وتعمداً، بالتسويف والمماطلة والتغطية على الجريمة، لإعطاء الحوثيين المزيد من الوقت والفرصة للتمكن. وقد فعلها جمال بن عمر، وجاء بعده اسماعيل ولد الشيخ، وكان «سيل ظهره» راكداً وبطيئاً ومتردداً، ثم جاء البريطاني مارتن غريفيث. ويبدو أنه على خطى السابقين، يتجاهل أن مسألة اليمن محسومة وطنياً، بالإجماع في الحوار الوطني، وشرعياً برفض الحكومة الشرعية لانقلاب الحوثيين، ودولياً وأممياً، بقرارت الأمم المتحدة التي تصنف الحوثيين ميليشيا مارقة انقلبت على الدولة وتود اختطافها رهينة لحساب ملالي في طهران.

وتعقدت المشكلة في اليمن وسوريا، لأن المعبوثين بدلاً من عزل الميليشيات الدموية الشريرة، الخارجة على القوانين، يهرعون للجلوس معها واجراء مفاوضات ومحادثات، وإعطائها هوية الشرعية.