انتهت قبل أيام أكبر مسابقة تقنية للبرمجة والتطوير في العالم، التي احتضنتها السعودية لأول مرة تحت مسمى «هاكاثون الحج» وشارك فيها قرابة ثلاثة آلاف مطور بهدف ابتكار حلول تكنولوجية متقدمة للعوائق التي عادة ما يشهدها موسم الحج لتسهيل رحلة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء مناسكهم بكل سهولة ويسر. لكن السؤال هنا لماذا اختارت السعودية الحج دون غيره من القطاعات؟ والاجابة بكل بساطة لان الحج هو التحدي والاختبار الذي تواجهه السعودية كل عام من خلال التعامل مع ملايين البشر يمثلون 164 جنسية حول العالم في فترة زمنية لا تتجاوز 5 أيام ومكان محدد لا تتجاوز مساحته بضعة كيلومترات، ومع ذلك تنجح فيه بتفوق. لكن مع خطة الـ30 مليونًا بحلول عام 2030م سوف يكون التحدي أكبر لموسم العمرة والحج على السواء ويحتاج إلى حلول ابداعية. فاز فريق «ترجمان» النسائي، وهو فريق مكون من أربع نساء سعوديات، بالمركز الأول وحصل الفريق على جائزة قدرها مليون ريال سعودي. لكن ما يمكن التقاطه من هذا الحدث الكبير عدة أمور:

الأمر الأول: الاستمرارية في التميز في خدمة ضيوف الرحمن، فخلال السنوات الماضية هيمنت التقنية على أداء خدمات الحج بهدف تحسين وتطوير تقنيات موسم الحج واثراء تجربة الحجاج، والتي اتضحت بشكل كبير خلال موسم الحج الماضي عبر البرامج التي طورتها شركة وادي مكة للتقنية التابعة لجامعة أم القرى سواء الخاصة برضا الحجاج عن خدمات النقل أو تتبع حافلات نقل الحجاج الكترونيًا للتحكم في الحركة المرورية أو اجهزة النقل المباشر للحدث إلى مركز العمليات الأمنية او غيرها من البرامج. ويأتي «هاكاثون الحج» ضمن هذا الاطار والذي هو عنصر مكمل للجهد البشري الكبير الذي تبذله الدولة في تنظيم الحج.

الأمر الثاني: سرعة تجسيد هذه المشاريع على أرض الواقع، فكثير من المشاريع التنموية رغم الجدوى الفنية والقيمة الاقتصادية العالية إلا أنها تبقى بسبب البيروقراطية رهينة الأدراج إلى أجل غير مسمى، في هاكاثون الحج كان الأمر مختلفًا ففي ختام الحفل مباشرة أعلن بنك التنمية الاجتماعية تخصيص 30 مليون ريال سعودي للمشاريع الريادية كتمويل بلا فائدة. كما أعلنت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ممثلة ببرنامج بادر لحاضنات ومسرعات التقنية كذلك أنه سيتم احتضان 50 مشروعًا ضمن برنامج مخصص لدعم مخرجات «هاكاثون الحج». وبالتالي هناك رغبة وقدرة على تحقيق هذه المشاريع المهمة على أرض الواقع والاستفادة منها.

الأمر الثالث: الريادة العالمية في مجالات التقنية، فمن ضمن أهم اهداف رؤية 2030 هو تحقيق التحول الرقمي الشامل في شتى مناحي الحياة. وبالتالي فان مشاركة ما يُقارب 2915 مُشاركًا من خمسين دولة من العالم اعطى زخمًا عالميًا، ساهم بدوره في كسره الرقم القياسي العالمي للهاكاثون السابق البالغ 2577 مشاركًا الذي كان مسجلاً باسم الهند في عام 2012، ودخوله موسوعة جينيس العالمية كأكبر تجمع هاكاثوني في العالم حتى تاريخه. كما ان منح الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرون الشريك المؤسس لشركة «أبل» ستيف وزنياك منصب سفير البوابة التقنية السعودية (Saudi TechHup)، سوف يفتح بابًا جديدًا لتسويق الجانب التقني من رؤية السعودية 2030، والمواءمة بين الاحتياجات السعودية التقنية وآخر التطورات في هذا القطاع الحيوي على مستوى العالم، لكون وزنياك أحد أكثر المهندسين المبدعين في وادي السليكون وأيقونة عالمية في صناعة التكنولوجيا الحديثة، وكذلك لخبرته وشراكته في تأسيس كبرى شركات العالم «ابل» جنبًا إلى جنب مع شريكه ستيف جوبز المتخصصة في مجال الأجهزة والتقنيات الحديثة، والتي تتزامن مع وصولها كأول شركة عامة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، تدل بلا شك على الاصرار والعزيمة على مضي الحكومة المنظم للوصول إلى الريادة العالمية في مجالات التقنية التي تتضمنها «رؤية 2030».