ولأن المملكة دائماً، بقيادتها وشعبها، داعية السلم والاستقرار الأولى في المنطقة، جاءت استضافتها للمؤتمر الدولي للعلماء المسلمين حول السلم والاستقرار في أفغانستان، الذي بدأ أمس في جدة، وانتقل اليوم إلى مكة المكرمة.. لتكون عنواناً لكل الجهود السعودية الحثيثة لانتشال هذا البلد الشقيق من صراع استمر عقوداً تأرجحت ما بين الحرب الأهلية والاختطاف باسم الدين، على يد جماعات وتنظيمات مارست التضليل الفكري، ورهنت بلداً بأكمله في وهدة الإرهاب والتطرف والتكفير، ليس هذا فقط، بل جعلت منه قاعدة وبؤرة حاضنة لكل التيارات والجماعات الإرهابية التي هددت العالم، وشكلت خطراً على الأمن والاستقرار الدوليين، بل على صورة وجوهر الإسلام والمسلمين.

وعندما يجتمع قرابة 105 من أبرز علماء المسلمين حول العالم، تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، وعلى الأرض السعودية، وفي أقدس بقاع الأرض، في محاولة مخلصة لدحض التأويلات الخاطئة لتعاليم الدين الإسلامي من قبل الجماعات الإرهابية، ونزع الشرعية عن أفعالها ودعايتها في ضوء تعاليم الدين الإسلامي الحقة، وإيجاد بيئة مواتية للمصالحة السلمية.. فإننا أمام جهد استثنائي وضروري للغاية، ليس لمجرد المساعدة في جهود تحقيق السلام في أفغانستان، وإدانة الإرهاب والتطرف العنيف بجميع أشكالهما وتجلياتهما، على أساس تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.. ولكن لتوحيد الرؤى والاستراتيجيات أولاً في عملية المواجهة الفكرية وتجفيف منابع التمويل المادي والتضليل المعنوي والخداع الإعلامي.

وإذا كانت المملكة ـ ومعها المخلصون من الأشقاء في عالمنا الإسلامي ـ تأمل في أن يفتح الأشقاء الأفغانيون صفحة جديدة قائمة على التسامح والتصالح ونبذ العنف والمحافظة على حياة الأبرياء، حفاظا على بلدهم أولاً، ومنعاً للزج بهم في أتون لعبة مصالح قذرة بين بعض الأنظمة وتيارات وجماعات تنشر العنف والفوضى في العالم، وللأسف باسم ديننا الإسلامي الحنيف، فإن على الأشقاء في افغانستان أيضاً مراجعة مرحلة العقود الأخيرة، للتأكد من أنهم خدعوا، ودفعوا الثمن الأفدح من استقرار بلدهم، ومن دماء أبنائهم وبناتهم، وتهجير شعبهم وتدمير مقدراتهم، جرّاء تورط بعضهم في لعبة الصراع الدموي والسماح بأن تكون أرضهم حاضنة لكل الأعمال والممارسات غير المشروعة دينياً وأخلاقياً ودولياً وإنسانياً. لذا كان كل هذا الحرص السعودي بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، على حقن دماء الأشقاء الأفغان انطلاقاً من الاهتمام الكبير الذي توليه المملكة لكافة الشؤون والقضايا الإسلامية في شتى أنحاء العالم.

الأمل كل الأمل، في أن ينجح علماء المسلمين من خلال منصتهم الجامعة في منظمة المؤتمر الإسلامي، في مهمتهم هذه، وفتح الباب أمام عملية مصالحة وطنية شاملة، بمشاركة جميع التيارات بما فيها حركة طالبان بعد فك ارتباطها بالجماعات الإرهابية ونبذ العنف، وتشكيل حكومة تضم كافة أطياف الشعب احتراما لإرادته، وبالتوازي مع ذلك التصدي للأدوار التخريبية التي تقوم بها بعض الدول الإقليمية في المنطقة.