هذا العيد هو الثاني الذي يحل بدون أمي، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته؛ وهو لغيابها بلا طعم ولا رائحة ولا معنى من أي نوع. لم أكن ذلك (الولد) المثالي الذي يجلس عند أقدامها أو يشعر باشتياقها إليه، فأنا، بطبعي، تأخذني الدنيا ومشاغلها ويأخذني مزاجي عمن أحب إلى درجة أنني قد لا أراه لأشهر. ولم تكن لدي، للأسف، حسابات بأنني قد أفقد أمي في أي وقت وبالتالي أندم أشد الندم على ما فرطت من وصلها ورضاها. حين ماتت، وقد كتبت عن ذلك من قبل، بكيت بمرارة كما يبكي طفل رضيع غاب عنه خيال أمه وفقد إحساسه بأمان وجودها وحنوها عليه.

قبل موتها كنت أتساءل عن هذه التعبيرات المؤلمة التي يطلقها الناس في مواسم الأعياد وهم يذكرون أمواتهم. وحين أتى العيد، بعد غيابها، فهمت شعورهم وقدرت أحزانهم وسجلت في ناديهم تائباً ونادماً ونائحاً. لا أحد يمكنه تعويض ابتسامة الأم يوم العيد وهي توزعها صادقة وهادئة بين أبنائها وبناتها. يوم العيد كان يوم الحب الأكبر حتى لو كانت الخلافات والشقاقات بين الأخوة بحجم الجبال. وهو حب ورضا لا يشترى ولا يباع وإنما يمنح بقدرة المولى ومقدرة الأم على منحه بهذه الجزالة.

كانت، رحمها الله، تسأل إن كان محمد الذي هو أنا تناول تمراته وقهوته؛ وإذا وَضعتُ الفنجان تناولته لتمعن في حبي فأسبقها إليه ممعناً في طلب رضاها ومسامحتي على التقصير. كانت تترقب جرس الباب: من جاء من الأبناء ومن تأخر من البنات. نحن، باختصار، نموت معنوياً مع موت أمهاتنا ولا يبقى فينا سوى الذكرى والألم والتلهي بالحياة وأعبائها.

لذلك من كانت أمه على قيد الحياة، أطال الله في صحة وأعمار أمهاتكم، فلا يتوانى عن برها كما توانيت ولا يقصر كما قصرت ولا يؤجل كثيراً من وصلها كما أجلت. العيد بدون أم مثل الليل بلا قمر.