بغض النظر عن نتائج القمة التاريخية التي جمعت الرئيسين ترامب وكيم يونج أون، أمس في سنغافورة، إلا أن المشهد الذي لم يكن من الممكن تخيله قبل بضعة أشهر فقط عندما كانا يتبادلان الاتهامات والشتائم، تحول إلى حقيقة أدهشت الجميع، وأنهت عملياً قرابة 70 عاماً من القطيعة والعداء بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وربما كانت المصافحة الأولى هي التي شدت العالم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ليس ترقباً لما بعد فقط، ولكن أملاً في نشر ثقافة السلام والإخاء في ربوع المعمورة.

صحيح أن اللقاء جاء ليتوج حصيلة تداخلات كثيرة، ولينهي ـ ولو شكلياً ـ الآن على الأقل، التراشق الحاد والمنفلت أحياناً في تجاوزه قواعد الخطاب السياسي والدبلوماسي بين واشنطن وبيونج يانج، إلا أن الأبرز أن البلدين نجحا في مواجهتهما الأولى وجهاً لوجه بمفاجأة العالم وتوقيع مذكرة تفاهم اعتبرها الزعيم الكوري الشمالي «بداية جديدة وتغييرات كبيرة»، تعهد فيها ترامب ـ وفق البيان الختامي ـ بتوفير ضمانات أمنية لكوريا الشمالية التي تعهد زعيمها بالعمل في سبيل نزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية.. وهذا إن حدث، فربما يفتح الطريق واسعاً أمام ترامب وكيم لاقتسام جائزة نوبل للسلام مستقبلاً.

ما حدث بالأمس، يكشف حقيقة أن زعيم كوريا الشمالية ليس بالصورة النمطية التي يروجها الإعلام الغربي عنه، الرجل يبدو أكثر حصافة و«عقلانية» ممن سبقوه ومن بعض الدول التي تتشبه بسلوك دولته، وسيكتب التاريخ أنه استطاع الانتصار للعقل، وفضل البحث في نزع السلاح النووي عن الاستمرار في سياسة الاستكبار والوعيد أو التصرف على طريقة قرود الغابة في طيشها واستخفافها، مثلما يمارس نظاما إيران وقطر الآن.

عمائم «الجمهورية» المزيفة، لم يتعلموا من مجريات المنطق البشري، ودفعهم وهمهم الكبير بالقدرة على إطلاق التهديدات والشعارات الجوفاء، إلى ربما عدم تصديق التحول الهائل في تعامل كوريا الشمالية، والتي قبلت التفاوض وإنهاء حقبة التوتر المزمن، وهذا يحتاج لوقت لتأكيده عملياً، لكن العنترية الإيرانية أصبحت الآن وحيدة في العالم، وتعاني وطأة الضغوط الداخلية والخارجية، وتدفع ثمناً باهظاً من حياة شعوبها واستقرارهم نظير شعارات وهمية وسياسات تديرها عقول متعجرفة ومغيبة، وهي نفس مشكلة النظام العاق والصبياني في جزيرة شرق سلوى، الذي يحاول الهروب من أزمته الإقليمية بطلب عضوية حلف الناتو، وكأنه في حاجة لترسيخ مزيد من الاحتلالات لجزيرته.؟

طريقة قرود الغابة التي يقفز بها نظاما إيران وقطر على مشكلتهما إقليمياً وعالمياً، لم تعد صالحة عملياً أو مقبولة منطقياً، كلا النظامين يعرفان في النهاية ما عليهما فعله، قبل أن يتجرعا كأس السم كما حدث قبل عقود.!