نظمت الجمعية البيضاوية للكتبيين بالتنسيق مع نادي القلم المغربي ندوة حول الكاتب محمد صوف، تحت عنوان (الكتابة والتجربة، قراءات في أعمال محمد صوف)، في إطار اهتمامها بالأدب المغربي والتعريف به والاحتفاء بكتابه.
ترأس الجلسة الأولى الباحث المعاشي الشريشي رئيس نادي القلم المغربي الذي أكد أن محمد صوف كاتب استثنائي تميز- في نظره- بخاصيتين اثنتين؛ الأولى هي أنه يكتب سرودا شكلت في مرآة السرد المغربي بروقا مميزة تعكس بصمات صوف، كما تعكس صورة كاتب بيضاوي عبر عن هذا الواقع بصورة مكملة لما عبر عنه محمد زفزاف وإدريس الخوري وغيرهما عن هذه المدينة الآسرة. الخاصية الثانية وهي أنه ينكتب بصمته الذي، كما قال الشريشي المعاشي، سيجعل قراء في المستقبل يعتقدون أن محمد صوف شخصية خيالية من صنع كاتب مغربي قادم من قلعة السراغنة إلى مدينة غول اسمه محمد صوف.
وتناول الناقد نور الدين صدوق موضوع «محمد صوف الروائي وعالمه»، وأشار إلى الفترة التي بدأ فيها محمد صوف الكتابة حيث أصدر أول مجموعة قصصية «تمزقات» سنة 1978، ثم فيما بعد أصدر روايته الأولى رحال ولد المكي (1980) وبذلك فتجربة محمد صوف السردية توازي بين كتابة القصة القصيرة والرواية، ومن ناحية أخرى نجده يشتغل على الترجمة وكتابة السيناريو، وجميعها حقول متداخلة تدعم رؤيته الفنية في الإبداع السردي.
وأضاف نور الدين صدوق ان النقد المغربي المعاصر لم يواكب هذه التجربة باستثناء احتفائه بالرواية الأولى. وقد يعود ذلك إلى ما اتسمت به المرحلة من هيمنة النقد الإيديولوجي والاقتصار على تناول مجموعة من الأسماء دون أخرى.
وقدم عبدالرحيم مؤدن بحثا بعنوان (حكاية شخص هامشي جدا، محمد صوف أو لعبة الدمية الروسية)، مبررا اختياره للقصة المدروسة، إذ اعتبرها من أهم تجارب المؤلف. ثم انتقل إلى دلالة كلمة «حكاية» الواردة في عنوان القصة، وأكد أنها تتخذ أبعادا اخرى عندما تنتقل إلى المكتوب فتصير بؤرة حكائية داخل البنية القصصية، باعثة على الحكي، وهي التي فجرت كوامنه نحو بناء قصة قصيرة، تميزت بخاصيتين وهما: تقنية النهاية التي لم تكن بلا بداية. هذه التقنية لا يقدمها الكاتب دفعة واحدة. بل يقدمها من خلال مستويين؛ مستوى الحوار ومستوى المونولوج. وانتهي عبدالرحيم مؤدن في هذه الفقرة إلى أن النهاية تتحول إلى افتتاح سردي أو تمهيد حكائي.
وأشار عبدالرحيم مؤدن إلى ان النص القصصي عند محمد صوف ومجايليه كان ذا قضية وهو أمر أصبح مغيبا في الإنتاج القصصي الذي يفكر في ذاته أو يحيل على ذاته. وتعرض بوشعيب الساوري لموضوع (العين الساردة عند محمد صوف قراءة في رواية دعها تسير). الذي انطلق من خاصية جوهرية تميز الكتابة عند محمد صوف وهي الكتابة البصرية التي تراهن على الصورة، وتجعل منها آلية لإنتاج كتابة سردية تنسجها العين قبل أن تحول إلى اللغة التي تبقى عنده مجرد أداة مترجمة وناقلة لاشتغال العين وما تلتقطه وما تشكله من صور. حتى وإن كانت اللغة هي الوسيط الأساسي في عملية الكتابة، فهي مجرد وسيط للعين تلك الأداة السحرية التي يؤثث بها محمد صوف عوالمه السردية.
وأكد الناقد أن السرد يتأثث عبر تلاحق سريع لمجموعة من الصور والمشاهد وبشكل سريع والأوضاع الحكائية أساسه التغيّر السريع للأمكنة أو تغير المشاهد التي تكون إطارا للقاء أو لحوار بين شخصيتين أو أكثر، يعكس ذلك انفتاح السرد على تقنيات السرد البصري السينمائي. كما كان من تجليات السرد البصري هيمنة التكثيف مع تركيز السرد على انفعالات الشخصيات. وكذلك كان له أثره على حضور الزمان والمكان اللذين لم يكونا سوى مجرد إطار لعدة مشاهد. كما كان من تجليات السرد البصري هو خلق صور روائية وأهم صورة وهي قلب الصورة التي تكون عليها الشخصية في بداية الرواية. وهي سمة تنطبق على جل شخصيات الرواية مما فتح الرواية على لعبة المرايا فجعل الشخصيات مرايا لبعضها وتجلى ذلك في النقط التالية: الارتباط بالمحبوب إلى حد الهوس والضعف، الحب من طرف واحد، ظهور الشخصيات المحبوبة في الرواية على شكل ألغاز بالنسبة للشخصيات المحبة، تتماهى الشخصيات كذلك لتقدم لنا صورة عن الحب، وهي اقتناع الشخصيات بأن الحب قدر أو وهم تجد نفسها متعلقة به. وترأس الجلسة الثانية أبوبكر العزاوي الذي عرض لمجموعة من التأملات حول كتابات صوف ليتناول بعد ذلك الكلمة أحمد بوزفور (قاص) في ورقة بعنوان (يد الكاتب قراءة في رواية يد الوزير) وذلك بالتركيز على ملمحين أساسيين ميزا الكتابة الروائية لهذا النص وهما التفريع والأنسنة. وبالنسبة للتفريع، تجلى في تقطيع الرواية إلى 22 فصلا مرقمة ترقيما رومانيا. ومن تجليات التفريع كذلك تعدد الرواة لكل فصل راو لا يسرد وجهة نظره فقط ولكنه يلتمس أثر الحكاية فيه مما جعل السرد راسيا عموديا يدور حول نقطة واحدة من زوايا متعددة. ومن تجليات التفريع كذلك تنوع أنماط السرد الذي تنوع بين سرد خالص ورسائل وردود على رسائل أو مشاهد سينمائية أو حوارت او مونولوجات.
أما الخاصية الثانية (الأنسنة) فقد تجلت في أربعة مستويات وهي: الانطلاق من الذاتي إلى الإنساني، والتناصات الثقافية، والمونولوج وعادة ما يخصص لكنه في رواية يد الوزير يعمم ولا يخصص، والتبئير: ولا يتعلق الأمر ببؤرة سردية بل بمعنى الحفر في كل شخصية بئرا عميقة، والبئر هو شخصية (يزيد) الحاضرة في كل شيء هي ضمير الرواية فوق وتحت وامام وخلف.
واختتم اللقاء بشهادة للكاتب محمد صوف قال فيها: إن الكاتب عندنا مناضل عندما يشتغل ثماني ساعات في اليوم ويجد القدرة على الكتابة.. وهذا ما جعلني اهفو منذ البدايات إلى التحرر من إكراهات العمل دون ان انجح في ذلك. قضيت اكثر من عشرين سنة أستيقظ في الصباح وانتقل إلى مكان عملي فقط لأني أتقاضى مرتبا في آخر الشهر.. وقد ولد لدي ذلك رغبة البحث عن التحرر من هذا الإكراه.. لم انجح بعد.. فللإكراه وجوه عدة. في قلب هذا الإكراه، ظللت اهفو إلى كتابة عمل يثير اهتمام القارئ منذ الصفحة الأولى ويحثه على الانتقال إلى الصفحة الموالية. ولا أعتقد اني توفقت في ذاك.. بحثت عن وصفة سحرية تضمن تحقيق إثارة اهتمام الآخر. وادركت أنه لا توجد وصفة جاهزة. ثمة شخصية الكاتب أولا وهي شخصية عصية على الوصف حتى من طرف الكاتب نفسه.
أدركت كذلك ان الكاتب يحمل داخله دائما احتمالات الفشل. ولعل هذا حافز على نجاح حققه عدد من الكتاب في عدد من المؤلفات. ثم إن احتمال الفشل مدرسة ومنبع للمعرفة والتعلم. اعتقد اني كل مرة افشل وكل مرة اتعلم ولم اصل بعد إلى لحظة الذروة تلك التي تتمخض عن عمل يلقى إقبالا نسبيا.. أما الإقبال الواسع بين ظهرانينا فلا يوفره سوى تقرير العمل في المدارس.. وتلك قصة اخرى. اجمل صفة منحها الكون للإنسان هي الاختلاف.. والاختلاف هو ما يصنع الكاتب أيضا.. النجاح في التعبير عن هذا الاختلاف لا يتيسر للكل. فهناك من يخطئ في تصور اختلافه. ومع ذلك وجدت اني انساق خلف حديث صغير دار ذات يوم في مكان ما لأجدني أخط دون أن أعي الرواية الثانية «الموت مدى الحياة» وخلف ملاحظات ذاتية لأكتب «السنوات العجاف» وخلف خبر صحفي في صفحة المنوعات لأكتب «كازابلانكا». ولو كنت أستعمل مذكرة كما نصحني بذلك الشاعر إدريس الملياني مرارا، لتمكنت من توظيف ما ألاحظ لفائدة ما اكتب.. فاستعمال المذكرة إسعاف في لحظات القحط. وقد تتضافر ملاحظتان وتعطيان عملا روائيا.
لم ابدأ علاقتي بالادب إلا عندما بدأت انشر باستمرار، وانا في سن السابعة والعشرين ولم ابدأ بتوطيدها إلا عندما اصدرت «أوراق» بمساعدة الصديق نور الدين صدوق.
وهاهي العلاقة قد توطدت والهم قد استفحل.. والكاتب لايزال يتساءل هل هو فعلا كاتب ام انه مجرد وهم يساعد على الركض خلف سراب تجهل ماهيته.