هو روائي وثيق الصلة بواقعه لذلك كانت قضايا مجتمعه تجربة إبداعية..استطاع أن يقدمها من خلال رواياته، ويتسم التعبير الروائي في كتاباته الروائية بجماليات نوعية تتأتى أصولها من مرجعيات متنوعة..ثقافية واجتماعية وقراءات في الأدب العالمي، إذ هو يفتح لغته على هذه المصادر ويمنحها حرية قصوى في الأخذ والتأثر والانفعال والمزاوجة والشفافية، إنه الروائي السعودي يوسف المحيميد..الذي حصد العديد من الجوائز..أثناء زيارته للقاهرة أجرى معه «الجسر الثقافي» هذا الحوار:
▪ماهي طقوس الروائي يوسف المحيميد قبل وبعد الكتابة؟
- قبل بدء الكتابة، وإنجاز عمل روائي جديد، أتوقف طويلاً حول الشكل وبنية النص السردي، وجمالياته التي سأستخدمها في الكتابة، قد يستغرق الأمر بضع سنوات أحيانًا، وقد يتعثر طويلاً، وأحيانًا يمكنني القبض عليه، وعلى التقنيات التي سأستخدمها، في لحظة خاطفة، وغالبًا ما أكتشف أنني تعجلت، وما كنت أظنه مناسبًا لفضاء رواية ما، لم يكن كذلك، بل حتى عند الكتابة فعلاً، قد ينساق السرد، رغمًا عنّي، عمَّا خططت له، وعمَّا وضعته في ذهني.


![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/a47a043d06361b5ddbe17d0869082eb5_112068.gif)

غلاف رواية غريق


ومن هنا أدخل إلى مكتبتي كما لو كنت أدخل معملاً أو مختبرًا، قد تفشل التجربة، وأرمي بها فورًا في سلَّة النفايات، أو قد تنجح الكتابة، فلا أجعل القارئ يرى منها سوى النتيجة النهائية، لذلك مهمتي الكبرى تتمثل في إتلاف العبارات غير الناضجة، عليَّ ألا أترك أثرًا خلفي، وأن أتلف طريقي المتعثّر إلى النص، مكتفيًا بالنص ذاته، مع أنني مهووس بقراءة تجارب الروائيين في العالم، ورؤاهم حول كتابة الرواية، وقصصهم الهامشية حول كتابة نص ما، وحتى طقوسهم اليومية، ليس بالضرورة أن أقتدي بها، لكنها تشعرني بالهدوء والسلام والطمأنينة، وكأنما أطمئن على إخوتي في غرف البيت ذاته، بيت الرواية الكبير!


![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/7a291bc6d13640f241becb46e36c7ebb_112072.gif)

من روايات يوسف المحيميد

▪ماهي الموضوعات التي أثرتها من خلال أعمالك الروائية؟
الفن الروائي له بعد اجتماعي وإنساني، الفن الروائي هو ليس خطابا اجتماعيا أو سياسيا يؤدي هدفا محددا، ولكن العمل الروائي يعد خطابا دعائيا تحليليا ويناقش قضايا اجتماعية حاضرة فكل مجتمع له قضايا ومشاكل وهموم وكل ماطرحته في رواية من رواياتي يعبر عن هذا، فمثلا رواية (القارورة) تتناول جانبا معينا من القضايا الاجتماعية في السعودية وخصوصا في منطقة نجد وتتطرق إلى حرب الخليج الثانية.
(فخاخ الرائحة)..هذه الرواية عبرت عن اضطراب الإنسان في المدينة وخاصة
ان المجتمع السعودي انتقل من مرحلة البدو إلى مرحلة التحضر والمدن عبر
الانتقال من القرى والهجر إلى المراكز الكبرى.. فكان الانتقال من الصحراء ومن خارج الحدود وكيفية المعايشة لمواجهة هذه المدن الشرسة، رواية (الحمام لا يطير في بريدة).. تناقش هذه القضايا بشكل أو اخر عبر اختلاف الحريات للافراد وخضوعهم لعادات وتقاليد المجتمع.
▪ماهي أكثر الروايات التي شعرت بالمعاناة أثناء كتابتها؟
الاهم هي مرحلة ماقبل الكتابة وهي التي يتحول فيها الروائي إلى باحث يفتش في نفوس الأفراد، وكانت في رواية (فخاخ الرائحة) حيث عملت كباحث في عالم الصحراء والغابات واحراش السودان لجمع المعلومات المعرفية والعلمية.. وهنا يحتاج الكاتب ان يتحول إلى باحث اجتماعي وسياسي ليصل لهذه المعلومات وقد بذلت مجهودا كبيرا قبل كتابة العديد من رواياتي.
-ماهو العمل الروائي الذي استغرق أطول وقت في كتابته؟
لا أؤمن بهذا فهناك رواية استغرقت سنة والاخرى خمس سنوات ولكن ما تصرفه من كم ووقت على العمل، وأكثر الاعمال (الحمام لا يطير في بريدة) بسبب تعدد الشخصيات 79، إضافة لمحاولة التقاط شخصيات من الشباب،هذا الرصد الطويل بالإضافة إلى أن حجم الرواية كان طويلا وكانت هذه الرواية تحتاج وقتا أطول في كتابتها.

▪ما الذي يجعل فكرة ما تقود إلى اتخاذ شكل روائي محدد، وتقنيات فنية محددة؟
-منذ روايتي الأولى (لغط موتى – 1996) وحتى روايتي الجديدة (غريقٌ يتسلَّى
في أرجوحة – 2015) وأنا أحلم بشكل روائي مختلف، وأسعى إلى جذب القارئ
بتكنيك مباغت، وإيقاعه في فخّ سردي جديد، ففي تلك الرواية الأولى،
المكتوبة بضمير المتكلم، عن روائي مبتدئ يتحدث عن فشله كلما حاول أن يكتب
روايته الأولى، نظرًا إلى محاصرة الشخصيات له في أثناء الكتابة، ليس
الأحياء فحسب، وإنما حتى الأموات الذين يشاكسونه كلما حاول أن يكتب سيرة
أحدهم؛ كنت وقعت في غواية الفكرة بحد ذاتها، ولم أستغرق طويلاً في الشكل
المستخدم، فقط جعلت خيط السرد ينساب، ويزيغ أحيانًا، حتى نجحت إلى حد ما
في خديعة القارئ، وقد أوهمته بأن النص بين يديه هو مجرَّد مقدمة للرواية،
ولكن في العمل التالي، أدركت بأنه لا بد من الدخول في لعبة الشكل،
والتقنيات الروائية الجديدة، بمغامرة أكبر، فجاءت (فخاخ الرائحة – 2003)
بثلاث شخصيات مختلفة، يبدأ السرد متشظيًا، يحتفي بكل شخصية على حدة، ثم
يجمعها المكان في لحظة زمنية ما، لتعود الأحداث من جديد، متنافرة في
مسارات سردية مختلفة.
▪لماذا استخدمت تكنيك التناوب في السرد بضمير المتكلم في روايتك (غريقٌ
يتسلَّى في أرجوحة) ؟ هل ما يقود إلى تقنيات السرد والشكل الروائي هي
مواصفات الشخصيات، وملامح النص نفسه؟
-في هذه الرواية «غريقٌ يتسلَّى في أرجوحة» حاولت توظيف العلاقة الحميمة
بين الشاب والسينما، في تقطيع سردي، يتفاوت بين الواقع والمتخيَّل، بين
المرئي في تاريخ السينما، والمتخيل في أفلام لم يتم تنفيذها بعد، أو ربما
ما يحلم هو بتنفيذه، ومن جهة أخرى، وعلى النقيض تمامًا، ترفض الفتاة
تسميتها بشاعرة، فهي مجرَّد قارئة، شغوف برسول حمزاتوف، تؤمن بالحكمة
والفلسفة والشعر، وتدوّن مشاعرها وأحلامها الصغيرة.
من هنا، أحب أن أتعامل مع طاولة الكتابة، التي تصير أحيانًا مختبرًا،
كبيت صغير أعرفه جيدًا، فكلما شعرت أن هذا البيت أصبح ورقًا، هدمته وأعدت
بناءه من جديد، كي يعود بشخصياته ووقائعه إلى الحياة، صحيح أن التقنيات
السردية تؤثر كثيرًا في بناء الشخصية، وصناعة الحدث، لكن تركها تشرد
أحيانًا، تتشقلب، وتركض وتلهث وتتلفت، هو ما يحفز على ابتكار التقنية
المناسبة.

▪هل هذا نابع من معالم للنص تؤمن بها في روايتك؟
-معالم النص التي أؤمن بها، هي أن هناك ملايين الشذرات من الحكايات
المتنافرة، لكنها قابلة لأن تروى معًا، هذا التشظي قد أجد معه طريقة ما،
ليصبح نصًا متكاملاً، كلّ شيء في الحياة قابل لأن يُروى، ولكن هذا يعتمد
على قدرة الروائي، ودرجة حساسيته البصرية تجاه الأشخاص والأحداث
والكائنات والأشياء، والتقاطه لكل التفاصيل الصغيرة، التفاصيل الغائبة
غالبًا عن أنظارنا، وهذا ما حاولت سرده في روايتي الأخيرة «غريقٌ يتسلَّى
في أرجوحة» بأن معظم اللحظات قابلة للسرد، لكن كيف ننظر نحوها، وننصت
إليها، ونتحسسها، وندخلها في معمل الذاكرة، ثم معمل المخيّلة المفتوح،
وأخيرًا معمل الكلمات المنسوجة بخيوط من حرير، حتى تتناسل منها حيوات
كثيرة وباذخة.
▪هل النقد عمل إيجابي أم سلبي للروائي؟
-في السنوات الأخيرة لا يوجد نقد حقيقي أو لا يوجد ناقد بالمعنى الصحيح، وكل ماينشر في الصحف ماهو الا عرض يقدمه الصحفي وليس نقدا أكاديميا وتحليليا والعرض يحكي حكاية الرواية ولم يتناول جوانبها الفنية وبالتالي لم يعد هناك نقد أكاديمي يقوم بتحليل العمل وملامسة جوانب الجمال والنقد فيه، وأصبحت هذه الدراسات النقدية شبه نادرة ولم يعد هناك نقد أكاديمي يتناول جوانبها الفنية.
▪هل عندما تكتب تراعي وجهات نظر النقد؟
-معظم من يكتب إبداعًا، ينحاز إلى الكتابة الحرَّة، دون أن تشغله تقنيات النقد ومقاييسه، وبالنسبة إليَّ، فقد درَّبت ذائقتي النقدية مبكرًا، وسعيت إلى تطويرها باستمرار، ليس لأكتب نقدًا تطبيقيًا، وإنما لكي أستطيع تقييم نصي الروائي من جهة، ومن جهة أخرى لتقييم ما أقرأ من أعمال إبداعية، ومن بينها الروايات.
وحينما يعلو الحس النقدي كثيرًا، يجب ترويضه، وإلا قضي على الجانب التلقائي من النص، وتخلل جموده إلى روح النص وتشويقه، وأصبح ثقيلاً، بما يحول أحيانًا دون تلقيه من القارئ كما يجب.
▪كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تقوم بدورها في النهوض بالعمل الثقافي؟ وماهي المعوقات التي تواجه المؤسسات الثقافية السعودية من وجه نظركم؟
-العمل الثقافي يحتاج إلي عاملين هما: اهتمام حكومات الدول العربية بالثقافة ومنحها مكانتها التي تستحقها، وإدارة العمل الثقافي من خلال مثقفين أكفاء ومؤهلين علميا وعمليا لا لتحقيق مهمة تستطيع تشكيل الوعي والوجدان المجتمعي والذي يواجه العمل الثقافي في السعودية عدة إشكاليات، الأولى.. النظرة إلي العمل الثقافي على المستوى الرسمي، وهي نظرة الدولة لأهمية العمل الثقافي وتأثيره علي تكوين المجتمع، والذي بدأ منذ نشأة نادي جدة الأدبي وبعدها الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون في نفس العام 75، وبعدها انتشار فروعها في مختلف مناطق المملكة، كل هذا ترك أثرا كبيرا على المثقفين والمبدعين في مرحلة السبعينيات والثمانينيات ولكن عجزت هذه المؤسسات عن جذب فئات المجتمع لأنشطتها.
والمرحلة الثانية الاعتراف الرسمي بالثقافة بعد ان أصبحت وزارة الإعلام، وزارة الثقافة والإعلام، ولكن لم تؤثر بشكل ملحوظ على المثقفين وعلى أفراد المجتمع والسبب من وجهة نظري..ان معظم من يعمل في إدارة الثقافة هم مجرد موظفين عاديين، لا علاقة لهم بالثقافة، ولا يمتلكون هما ووعيا عميقا، ورؤية ثقافية متجاوزة تمكنهم من إدارة العمل الثقافي في البلاد بكفاءة ومسؤولية ووضع الخطط وتنفيذها بصورة منتظمة.
المشكلة الثانية.. ان معظم من ترأس إدارات الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون..هم من الأدباء الذين لا يمتلكون خبرة إدارية كافية فلم يكن معظم هؤلاء مؤهلين علميا وعمليا في المجال الإداري..الأمر الذي جعل غالبيتهم يفشلون في قيادة هذه المنشآت الثقافية.
▪هل الجوائز مقياس للروائي الناجح؟
-الجائزة من وجه نظري أن هناك ثلاثة عوامل تحدد قيمة الروائي، العامل الأول - الجوائز الادبية التي يحصل عليها، العامل الثاني –عدد المبيعات وعدد طبعات الكتب، العامل الثالث- الكتابات النقدية التي تكتب على أعماله الروائية، هذه العوامل يقوم القارئ بتقييم الكاتب على أساسها بعيدا عن قراءة أعماله هذه العوامل ليست حقيقية بالدرجة الأولى..لان الجوائز يتداخل فيها أفكار لجنة التحكيم، لاسباب لعدم وجود منافسين متميزين تمنح الجائزة لمن هو أقل قيمة، وأحيانا يخدم الحظ صاحب الرواية على مستوى المبيعات..هناك أعمال تطرح قضايا أفكار سطحية وتطبع أكثر من طبعة وتصل لخمسين الف نسخة في الطبعة الواحدة وهي ليست بالضرورة على قيمة هذا الكتاب، وهذا لم يحدث في العالم العربي فقط ولكن يحدث على المستوى العالمي..فهي ليست مقياسا لجودة العمل، بالإضافة لدخول المحسوبيات والعلاقات الشخصية وتأثيرها لحد كبير.
العمل الذي يستطيع البقاء على مدى أطول ويجد له قارئا مستمرا..هو العمل
المتميز حقا.