ليس أهل المنطقة الشرقية وحدهم الذين أسعدهم تكريم رواد الرياضة في المنطقة الشرقية، بل أجزم بأننا جميعًا وفي كل مناطق بلادنا نسعد بالمبادرات الوطنية الإنسانية النبيلة التي تحفظ للعصاميين الرواد الجميل والمعروف؛ لما يقدِّمونه لبلدهم ومجتمعاتهم المحلية وأهلهم.. وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة، في الإثنينية الأسبوعية قدَّم للتاريخ مناسبة وطنية نبيلة، عبر تكريمه الرواد الرياضيين واحتفائه واعتزازه بما قدَّموه.
قبل أربعة عقود، وفي ظل بساطة ظروف الحياة ومعطياتها، وفي حقبة بالكاد يستجمع فيها الوطن إمكاناته وروحه الجامعة لكي يعيش حياة كريمة يحفُّها الكفاف والفاقة، يومئذ كان المهتمون والشغوفون بالأنشطة الرياضية يقدِّمون نماذج فريدة للكفاح والإخلاص لبناء الأندية ورعايتها، أغلبهم يعملون متطوِّعين بوقتهم وجهدهم، وهؤلاء لا نملك إلا تقدير الدور الذي اضطلعوا به وتعبوا لأجله، في بيئة اجتماعية محافظة لم تكن الرياضة من اهتماماتها أو أولوياتها.
والذي يتتبع تاريخ بلادنا لاستكشاف مواطن القوة التي تجمعنا يجد أن النشاط الرياضي قام بدور مهم في صناعة وتنمية الإجماع الوطني، وتقريب الناس وتعريفهم ببلادهم، فالفِرَق الرياضية تنقَّلت بين مدننا للمباريات الرياضية، وهذا أتاح للناس التعرُّف والاحتكاك، وتولَّدت الصداقات الراسخة بين أبناء المناطق، وهذه من ثمار الرياضة.
الرياضة قامت بالدور الوطني الذي قامت به الجامعات والمؤسسات التأهيلية في القطاع العسكري والأمني، وغيرها، وهذا الذي يجعلنا نرى المناسبات، التي تُخصَّص للاحتفاء بالرياضة وروَّادها والقائمين عليها، مبادرات تأخذنا إلى تكريس الوحدة الوطنية، وإلى تكريس النموذج الحسن للأجيال الجديدة، وكما يقال الوفاء ذروة سنام الأخلاق.
وهنا لابد أن نُحيِّي جهد ومبادرة الشيخ عبدالعزيز التركي، أحد رواد العمل الخيري والإنساني في بلادنا، وأيضًا جهد الخيِّرين من أمثاله مثل الدكتور سامر الحماد، والذين كانوا خلف نجاح هذه المناسبة الوطنية التي يُقدِّرها ويثمِّنها كل مَن يهمّه مستقبل بلادنا، وكل مَن يهمّه صناعة الإجماع، وكل مَن يخاف على شبابنا.
الرياضة من الأنشطة الحضارية الإنسانية التي تُتيح بناء وتكوين المواطن الصالح، وتُتيح تنمية الإحساس المشترك بين الناس، والآن تتوسَّع منافعها الصحية مع تبدل أنماط حياتنا المعاصرة، حيث تكثر الأمراض المرتبطة بقلة النشاط الحركي، وأيضًا تتحوَّل إلى صناعة مولدة للوظائف والفرص الاستثمارية.
الجميل أن يأتي هذا التكريم في المنطقة الشرقية، حيث تشهد الآن قفزة في الأنشطة الرياضية، وهناك خمسة أندية في دوري جميل لكرة القدم، كما يوجد في الشرقية عدد من اتحادات الرياضات المختلفة.
كما أن الأندية الرياضية تنتقل إلى حقبة جديدة لدخول الشباب في القيادة والإدارة للأندية الرياضية في مختلف المحافظات، وهنا مرة أخرى يُشكَر الأمير سعود بن نايف على عمله الدؤوب لتحقيق رغبة ورؤية الدولة لتمكين الشباب، وقد نجح في هذا المسعى، والآن نرى الاهتمام في الشباب يتحوَّل إلى عمل مؤسَّسي يتم عبر المجالس التي ترعى رواد الأعمال، وعبر جمعيات النفع العام، وفي الجامعات وقطاع التعليم.
النشاط الرياضي في المملكة يحتاج النقلة النوعية في الممارسات والبرامج والأنشطة التي تكرِّم وتُعزِّز مكانة القيادة والريادة، وأيضًا تحتاج الرياضة بشدة إلى (تكريس القيَم) التي تُعزِّز مكانة وصورة الرياضة لدى الأجيال الجديدة، كنشاط حضاري إنساني تحكمه الأنظمة والأخلاقيات، وليس مجالًا للمنافسة وللصراع غير الشريف، نريد النشاط الرياضي أداة لـ(التربية الوطنية)، وكما قلت مسارًا لبناء المواطن الصالح، وهذه مسؤوليتنا جميعًا.
والجميل في أمسية تكريم الرواد، أن الأمير سعود بن نايف وسَّع جائزة (عطاء ووفاء) لتشمل كل الألعاب، وليس كرة القدم وحدها متفرِّدة بهذه الميزة، كما أنه بعث برسالة واضحة للجميع، عندما تمنى أن تكون نفس الجائزة لكل المجالات في كل سنة، وليس المجال الرياضي فقط.