كنت وما زلت أتمنى لو أستطيع أن أتنصل من أي هوية خاصة غير هوية الإنسان الصرفة التي لا تنازعها أي صفة أخرى!، ولكن هي أمنية لا أظنها سوف يكون لها مسرح على أرض الواقع، لأنها ربما كانت خلاف طبيعة الإنسان، المنتمي بطبعه إلى هويات مركبة، ومعقدة أحيانا، قد تجعل هوية واحدة تبرز على حساب الهويات الأخرى، بسبب أن المجتمع يستحضرها، في لغته وحياته، فإن كان المجتمع مجتمعا قبليا، فهوية القبلية هي الحاضرة، وإن كان المجتمع عبارة عن طوائف ومذاهب، تجد الهوية الطائفية هي المتسيدة فيه، برغم أن القواسم المشتركة في ذلك المجتمع كثيرة جدا، وقد تحتاج إلى وقت طويل لحصرها، ولكن هذا الكثير يغيب ليحضر القليل منه، أي الهوية الضيقة، التي قد تخنق صاحبها، وتجعله يعيش بين أعداء وهميين أو هو من يأتي بهم، أو على أقل تقدير يشعر بأنهم يتربصون به، وما هي إلا ذاته المتربصة به وبغيره.
هل وجدت حالة كهذه يكون بها الإنسان في وضع لا يحسد عليه، ومع هذا يكررها ويصر عليها، ويتماهى معها وكأنها ملاذه الوحيد، ولا يحتاج غيره؟!
من قال لنا إن الهوية الخاصة معادية للإنسان، أو الآخر المختلف، غير التعصب والأنا المتضخمة؟. تضخم الذات ما هو إلا نتيجة لخطاب تعبوي صدامي في غير ظرفه ومكانه، لماذا هو في غير ظرفه ومكانه؟، لأنه يشكل شخصا متأزما وعدائيا مع مجتمع بينه وبينه كل القواسم المشتركة، إنه في كثير من الأحيان ينتزعك من هويتك الجامعة، ليدخلك في جدل حول رأي يحمل فرضية الخطأ والصواب، لتجد نفسك في النهاية إن سلمتها لهذا الخطاب، في دوامة لا نهاية لها، حينها لا يكون الخروج من هذا الخطاب مستحيلا، ولكنه صعب، ويحتاج لمواجهة تيار خلقه مثل هذا الخطاب، والمشكلة الأخرى أن مثل هذا الخطاب ليس وحيدا في المجتمع، وإنما وجوده يفرض معه ردة فعل لخطابات تعبوية أخرى، مشابهة بالآلية واللغة وإن اختلف المسمى، وهذا في رأيي ما يجعل القواسم المشتركة -رغم كثرتها- غير ملتفت لها، أو ينظر إليها بأنها ليست ذات قيمة، بل يصبح أي حديث عن هذه القواسم أشبه بحوار الطرشان، والمثالية المبالغة بها، هذا إن لم يتعرض صاحبها لسخرية لأنه فتح الحديث عنها، إضافة الى أنه مع الوقت تجد مثل هذا الخطاب التعبوي يرفض أي نداء له بإصلاح سواء كان هذا النداء من داخله أم من خارجه، بل أي نقد له حتى وإن كان موضوعيا وهادفا يعتبر نوعا من الانتقاص منه، وهدما لطائفيته.
لماذا؟ لأن الذات متضخمة، وطبيعي أن ينظر للنقد هنا على أنه انتقاص.
خذ مثلا بسيطا لتعرف مدى خطورة الخطاب التعبوي حينما يكون في غير ظرفه ومكانه، لو كان هناك لاعب كرة قدم ضخ فيه الإعلام لسنوات أنه أسطورة كروية لا مثيل لها، وجاء بعد ذلك من يقول إن هناك أسطورة أخرى تفوقها، ما ردة فعل جمهور الأسطورة السابقة، ألا ترى في كلام ذلك الناقد انتقاصا لنجمهم، حتى وإن كان كلامه موضوعيا؟.
هذا على مستوى كرة القدم فما بالك إن كان على مستوى الايدولوجيا، أو الانتماء القبلي أو الطائفي؟، فإن ردات الفعل سوف تكون أكبر وأعمق.
لهذا نحن اليوم في المجتمع العربي لا نريد خطابا تعبويا في غير ظرفه ومكانه الطبيعي بقدر ما نريد خطابا متسامحا يركز على المشترك، لأنه هو من يؤسس لمناخ صحي، لأي نقطة خلاف في مجتمع متنوع الهويات.