كانت صدفة بحتة لقائي بالفنان الكويتي عبدالرسول سلمان! فلطالما تمنيت لقاءه دون أن تتيح لي الظروف ذلك! فقد كنت أدخل خيمة الفنون التشكيلية على شاطئ سنابس لأتفقد المعرض التشكيلي، المقام بمناسبة مهرجان الدوخلة.. لعلي أشاهد أعمالا جديدة ومدهشة لأحد الفنانين وفي هذا الوقت كانت تدار ندوة وحوار حول الفن التشكيلي المحلي والعربي. وكان في استقبال الحضور الفنانين عبدالعظيم شلي وسعيد الجيراني رئيس جماعة الفن التشكيلي في القطيف، وأكد شلي على أن اجلس لأشارك في النقاش!! وقد ميزتُ على المنصة الفنان الكويتي الكبير عبدالرسول سلمان... وها هي الفرصة أمامي لألتقي هذا الفنان المبدع الذي واكب الفن التشكيلي الكويتي والعربي!.
في نهاية الأمسية اتفقت مع الفنان سلمان على اللقاء به.. وبالفعل التقينا في ضيافة فنانة تشكيلية ومعنا مجموعة من الفنانين..
الفنان عبدالعظيم شلي كتب عن مشاركة الفنان الكبير زوار الخيمة التشكيلية الرسم معهم: أما عبدالرسول سلمان فقد أطربنا لوناً وكلاماً في آن. استهل لوحته بخطوط شكلية سوداء لمعالم الوجه وهو مسترسل بعذب الكلام عن جماليات الفن وتبسيطه للحاضرين واصفاً معاني الخطوط واتجاهاتها في إبراز تعبيرات الوجوه. ثم كسا اللوحة لوناً وبحركة مدربة من فنان قدير لا تهدأ في الحراك بضربات سريعة بانت ملامح الوجه وبدأت بالظهور. تبسم الحضور بآهات الإعجاب من خفة يده وبقوله مداعبة: «شايفين ما أبسط الفن وما أمتعه»!! وأردف قائلاً: «رسمت هذا الشكل لأن وجه الإنسان مثل القمر: نصف مضيء والجانب الآخر معتم! كناية عن شخصية الإنسان».
الحوار..
في بداية حوارنا بادرته بالسؤال: من المسؤول عن الأميّة التشكيلية المنتشرة على نطاق واسع؟
- تميزنا نحن العرب بالفنون اللفظية وخاصة الشعر والأدب.. وقد وصل العرب إلى أرقى المراحل لأن لغتنا هي التي تساعد على ذلك. كشعب عربي، تأخرنا كثيرا بالتقاط الفنون البصرية مع أن الفن ولد مع ولادة الكون الذي خلقه الله بجماله وصوره. وهذا له علاقة بالإنسان.. ولا توجد مقارنة بيننا والشعوب الأوروبية لأن الفن كان في خدمة الأديان عند الحضارات القديمة، بينما الفن الإسلامي ليس في خدمة الدين وإنما لإبراز الجمال والقيم الفنية. لأن الدين الإسلامي لا يفرض مقولاته على الفنان المسلم فلا يوجد توجيه للفنانين إلا ضمن العادات والتقاليد الإسلامية. فالفنان المسلم ابتعد عن التجسيم وعن الظل وركز على النور بينما في الفنون المرتبطة بأديان غير إسلامية نرى الفنان ينزل الآلهة من أعلى إلى أسفل في حين أن الفن الإسلامي يرفع الموجودات من الأسفل إلى الأعلى وفق رؤية «سدرة المنتهى». ومن هنا أباحته الفنون غير الإسلامية على الأرض بينما جنة المسلمين في «أعلى عليين».
ارتبط الفن الإسلامي باللامحدود واللانهائي, واستطاع الفنان المسلم: الخطاط والمزخرف أو فنان المنمنمات إبداع سمات وخصائص متميزة عن الفنون الأخرى. وقد دخلت الفنون الإسلامية إلى جميع أرجاء العالم وفي العصر الحديث، كان عمر الحركة التشكيلية العربية مع بدايات القرن العشرين وهذه البداية إذا قورنت بالفن الأوروبي نرى أن هناك مسافة كبيرة جداً فقد أقيم أول معرض في أوروبا في باريس في القرن السادس عشر بينما كان أول معرض عربي في بدايات القرن العشرين. وهناك عدد من المقومات التي أثرت في الحركة التشكيلية العربية التي تأثرت بالفنون الأوربية.
وقد حاول الفنانون العرب الأخذ من التراث والفنون الشعبية لكن أخذوها بصورة سطحية حيث ظهر استخدام الخط العربي. وهذا توجه سطحي. فلم ينجح الفنان العربي في إيصال هذه الفنون إلى المشاهد العربي. وفي الأكاديميات، كانت المناهج العربية للفنون في المدارس لم يكن هناك اهتمام كاف لمادة الرسم والأشغال.. وكانت هذه المواد تكميلية مما أدى إلى انتشار الأمية البصرية بين الناس. وكذلك أثرت الأوضاع السياسية والاقتصادية وعدم الاستقرار بحيث أدت إلى نكوص في الحركة التشكيلية العربية وانشغال المجتمع العربي بالأحداث الكبرى التي مرت على الوطن العربي. وهذا لا يعني أن الفنان العربي المعاصر لم يتميز بالموهبة الفنية والمقدرة على الإنتاج الفني حتى استطاع أن يقف أمام الفنان الأوروبي وتحديه! ومع بداية الألفية الثالثة وادعاء الغرب بالحداثة. وكما هو معروف وكما نعرف فإن هذه الحداثة مرتبطة بالظروف التي يعيشها الفنان الغربي.. وهذه الحداثة لا تتناسب مع مجتمعنا المرتبط بالدين الإسلامي الحنيف.
 كيف تبتدئ العمل الفني وكيف تنهيه؟
- اعتقد أن الفنان ابن بيئته. شخصياً أنطلق من واقعي الاجتماعي وبيئتي الدينية وكذلك استفيد من الفنان الغربي ومن حضارته. من حقي أن أتأثر بالفن الأوروبي ولكن أستوحي بيئتي ومجتمعي والناس الذين يعيشون فيهما، اعني المجتمع العربي بمجمله. فكل فنان لديه مخزون ثقافي وبصري مرتبط بالمجتمع الذي يعيش فيه. وليس عندي التزام بأسلوب معين. المهم أن أتوصل إلى تجسيد أحاسيسي الذاتية المستمدة من مجتمعي. وتمر اللوحة عندي بعدة مراحل: 1- مرحلة الأفكار 2- تحول الأفكار إلى أشكال لونية ثم تتوالى المراحل حتى الأخيرة حيث اللمسات. وقد ارسم مجموعة كبيرة من اللوحات حول نفس الموضوع والأفكار والمضامين. بعد ذلك، انتقل إلى تجربة أخرى فجأة. فالفنان مجموعة من التجارب. أعتقد أن المفروض علي أن أصل إلى عمل أصيل لا يشبه إلا نفسه.
 قام موندريان بتلخيص شجرة حتى وصل إلى التجريد الهندسي. وأنت في أعمالك تقترب من التجريد عندما تتطور الفكرة عندك.. ما رأيك بذلك؟ من وجهة نظر عربية: عندما شعر الفنان الغربي أن الشكل الذي يتعامل معه قد استُهلك، فكر بأفكار جديدة فاتجه إلى الشرق.. إلى الفنون الإسلامية. فإذا كان الفنان الغربي يتعامل مع التجسيد ذي الأبعاد الثلاثة فإن الفنان المسلم تعامل مع بعد واحد كما في الزخرفة الإسلامية والخط العربي وغيره من الفنون الشرقية التي منبتها الشرق والفنون الإسلامية.. وموندريان قلد الشرق بينما أنا أعيش ضمن الجو الإسلامي وهو شيء طبيعي بالنسبة لي.
 باعتبارك أحد رواد الحركة التشكيلية العربية وأحد رموزها، ما النصائح التي توجهها إلى الفنانين التشكيليين الشباب؟
- في هذه الأيام هناك الكثير من أشباه الفنانين. وهؤلاء أعطوا صورة عن المبدعين مختلفة في تعاملهم مع الفن التشكيلي. يعود ذلك باستخدامهم وسائط التواصل الاجتماعي والذين يحاولون عن طرق ذلك الوصول إلى «قمة» في الفن التشكيلي! لكن ينبغي على الفنان أن يكون صاحب تجربة وصاحب إحساس. ومن ليس لديه إحساس، لا يمكن أن يكون فناناً! وأن يكون عند الفنان تجربة جدية وهذه ظاهرة صحية. ولكن كما ذكرت ظهر عدد كبير من أشباه الفنانين وهؤلاء اختفوا لأنهم ليس عندهم أية موهبة ولا ثقافة. ولا علاقة لهم بالفن التشكيلي وهم عوارض!! وهناك نوعان من الفنانين العرب: فنانون مبدعون وعوارض! أنصح الفنانين المبدعين أن يستوحوا مفاهيم وقيم التراث والحضارة التي ينتمون لها والحياة التي يعيشون فيها.. لأن حضارتنا هي الحداثة وما بعد الحداثة.

![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/44da6901a984ca789f58da458d6f048e_AY1MAN20CNEW2-4.jpg)

سلمان مع الزميل يوسف شغري