الظهران والقمة العربية ٢٩

لم يكن اختيار مدينة الظهران لانعقاد القمة العربية التاسعة والعشرين مصادفة، فمدينة الظهران كانت على مر التاريخ شاهدة وحاضنة لأحداث سياسية واقتصادية، وارتباطها بقصة اكتشاف النفط في المملكة، واحتضانها أكبر شركة نفطية في العالم - شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) - حيث حفلت باجتماعات الملك المؤسّس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يرحمه الله، مع ممثلي شركات النفط الأمريكية عام ١٩٣١م، التي شكّلت نواة العلاقات السعودية الأمريكية، كما أسست فيها، فيما بعد أول قنصلية أمريكية عام ١٩٤٤م، كأول تمثيل دبلوماسي أمريكي في منطقة الخليج العربي. ومع مرور السنين، اكتسبت الظهران، نظرًا لموقعها وأهميتها الاقتصادية، بُعدًا تنمويًا ونماءً مغايرًا، فقد أولتها الدولة - أيَّدها الله - الاهتمام والعناية، وأضحت من أهم المدن ارتباطًا بحركة الاقتصاد وسوق النفط عالميًا. وقد اختار الملك سلمان، يحفظه الله، أن تُعقد القمة في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، الذي يقع في طرف مدينة الظهران، وهو أحدث صرح حضاري شُيِّد فيها، وافتتحه خادم الحرمين الشريفين في نوفمبر عام ٢٠١٦م، ويمثل رافدًا جديدًا للحركة الثقافية والفكرية في المملكة. وانعقاد القمة العربية ٢٩ في المملكة أمر في غاية الأهمية، باعتبارها مركزًا للقرارَين العربي والإسلامي، ومن المتوقع أن تخرج القمة بقرارات مفصلية مهمة في الملفات التي سوف تُطرح خلالها، في ظل تحديات تواجه الأمتين العربية والإسلامية، وعلى رأسها القدس، ونقل سفارة واشنطن من تل أبيب إليها، والقضية اليمنية، والأزمة السورية، وما يرتكبه نظام الأسد من جرائم بشعة ضد شعبه، وكذلك التهديد الإيراني، وتدخّله في الشؤون العربية. الحضور العربي الكمّي والنوعي في هذه القمة دليل آخر على الرغبة العربية في بناء صرح عربي متكامل يقوم على الثقة والتعاون المتعدد الأطراف الذي من شأنه التأثير الإيجابي على مجريات الأحداث في الوطن العربي. وقد أكدت المملكة أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة على أهمية وضرورة اعتماد إستراتيجية عربية لمواجهة التحديات التي تهدد أمن الدول العربية، لا سيما ظاهرة الإرهاب، وتمويل ودعم إيران المستمر لها. وإمكانية أن تخرج القمة بقرارات حاسمة من شأنها تعزيز التضامن العربي، وتوفير المزيد من الآليات التي تشجّع العرب على تكثيف تعاونهم لتطويق الجماعات الإرهابية وتجفيف منابعها، وقطع سُبل تمويلها، والتوجّه نحو بناء اقتصاد عربي، يوفر كل أسباب التطور والازدهار للأمة العربية جمعاء في ظل التعاون والتضامن والإخاء، وهو ما تطمح المملكة لتحقيقه في هذه القمة، وحرصها على تعزيز التعاضد والتكاتف بين الدول العربية لمواجهة التحديات التي تمسّ حياة المواطن العربي، واستعداد المملكة الدائم لتقديم جميع أشكال الدعم إذا تعلق الأمر بأمن واستقرار ووحدة الدول العربية، حيث وفّرت الإمكانيات البشرية والمادية لإنجاح القمة العربية التاسعة والعشرين التي تعكس وحدة الوطن العربي، وتجانسه الفكري واللغوي والتاريخي والحضاري.

المملكة بقيادة ملك الحزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين، حفظهما الله، تبذل الغالي والنفيس لتوفير المزيد من المناعة والحصانة والأمان للوطن العربي، وتمكينه من أسباب القوة التي تؤهّل مجتمعنا العربي لمواجهة التحديات السياسية، والاقتصادية، والثقافية والأمنية، وستشكّل قرارات القمة العربية قفزة نوعية ومرحلة جديدة في مسار العمل العربي المشترك.

هدى الغامدي إبريل 16, 2018, 3 ص