السياسات التجارية وأجندة الإصلاحات

وسط الجدل المحتدم حول نظام التجارة العالمي وتوجه الدول الصناعية نحو المزيد من الحمائية التجارية كما نراه الآن في سياسات الرئيس الأمريكي ترامب، بالرغم من بيانات وتوجهات مجموعة العشرين والمؤسسات المالية الدولية الداعية إلى نمو اقتصادي يشمل الجميع، نقول وسط كافة هذه التطورات تثار تساؤلات حول السياسات التجارية الدولية لدول مجلس التعاون وكيف يمكن أن تستثمر لصالح تنفيذ أجندة الإصلاحات الاقتصادية الجارية حاليا.

المقصود بالسياسة التجارية الدولية هي مجموعة الإجراءات التي تطبقها الدولة في مجال التجارة الخارجية بغرض تحقيق بعض الأهداف. وتتعدد وسائل تلك السياسة والتي تعد جزءا من السياسة الاقتصادية بصفة عامة، تبعا للنظام الاقتصادي السائد، وتتعدد الأهداف التي ترمي الدولة إلى تحقيقها، فهناك الأهداف الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية. والسياسة التجارية التي تتبعها الدولة إما أن تكون سياسة حرية التجارة وإما سياسة الحماية. والمقصود بسياسة حرية التجارة الوضع الذي لا تتدخل فيه الدولة في وضع اي قيود على حركة الصادرات والواردات. أما سياسة الحماية فنقصد بها السياسة التي تتبعها الدولة للتأثير بطريق أو آخر على اتجاه المبادلات الدولية أو حجمها أو على الطريقة التي تسوى بها المبادلات.

إن السياسات التجارية للدول تختلف باختلاف النظم الاقتصادية وهي في الدول الصناعية المتقدمة تختلف غيرها في الدول النامية فلكل دولة أهدافها ووسائلها في تحقيق هذه الأهداف. وبالرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين الدول مسألة قانونية قائمة بذاتها إلا انه لا يمكن فصلها تماما عن العلاقات الاجتماعية والسياسية الدولية، إذ ترتبط دول العالم بشبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتبادلة. والتجارة الدولية لها أهميتها القصوى في حياة الشعوب، حيث يؤدي اتساع نطاق التبادل الدولي إلى زيادة مقدرة الدول على إشباع حاجات سكانها وبالتالي إلى ارتفاع مستوى الرفاهية الاقتصادية فيها. ولكي تعطي السياسات التجارية نتائجها، لا بد من النظر إليها كحزمة واحدة. إذ لا يمكن تحقيق سياسة تجارية ناجحة في معزل عن السياسات الكلية الأخرى كالسياسات المالية والنقدية والإنتاجية. وأن تحميل السياسة التجارية هذه المهام يضعها أمام مسؤولية تنشيط السياسات الأخرى على التنسيق والتعاون معها لتحقيق الأهداف المطلوبة. وبذلك تصبح السياسة التجارية بما هو ملقى عليها من مسؤوليات حافزاً للسياسات الأخرى للتنسيق والتعاون معها.

وبالنسبة لدول المجلس، فإنها لم تمارس في تاريخها الحديث أي قيود على حركة التجارة في بلدانها. وكانت صادرات النفط الخام تسيطر على أكثر من 90 في المائة من صادرات هذه الدول وهي سلعة إستراتيجية يتحدد الطلب عليها وعلى أسعارها في الأسواق العالمية كما يتم نقلها وتسويقها في معزل عما يجري للصادرات الأخرى. ولعب القطاع الخاص دورا رئيسيا في حركة الصادرات والواردات غير النفطية. وتركزت أهداف السياسة التجارية ولا سيما في فترات ارتفاع أسعار النفط في تحقيق ما يسمى بمجتمع الرفاهية من خلال توفير أنواع السلع الاستهلاكية بأسعار في متناول الجميع.

وبعد دخول دول التعاون في عضوية منظمة التجارة العالمية قامت بتطبيق إصلاحات عدة، منها تطبيق إجراءات تسهيل التجارة، وتشمل: الممارسات التجارية والنقل والبنية التحتية والجمارك ودور المصارف وشركات التأمين وتحسين توفير المعلومات التجارية وتطبيق تكنولوجيا الاتصالات.

إن دول المجلس تسعى في الوقت الحاضر إلى تحقيق الاستفادة القصوى من انفتاحها التجاري على العالم في تنفيذ إستراتيجيات التكامل الإقليمي فيما بينها وزيادة التجارة بينها وبين سائر مناطق العالم لتوسيع قاعدة الصادرات وهي أحد البنود الرئيسية على أجندة الإصلاحات. ولذلك، فإن توحيد السياسات التجارية الخليجية يعتبر مدخلا هامة لتفعيل دورها في تحقيق هذه الأهداف، إذ يسهم ذلك في رفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وفي تشجيع التخصص وفي تحسين تخصيص الموارد وتوزيعها في المنطقة. وإذا كان الاقتصاد العالمي الذي يزداد تكاملا، وبنفس الوقت يزداد تنافسية بشراهة، يفرض تحديات كثيرة على بلدان المجلس، فهو أيضًا يتيح فرصا للنمو، على دول المنطقة استثمارها للمضي في عملية التكامل الإقليمي وتعزيز نصيب المنطقة من المكاسب الاقتصادية التي تحققها العولمة.

وتبين الدراسات وجود علاقة ترابط بين توحيد وتحرير السياسات التجارية وبين تعزيز النمو الاقتصادي والعمالة على الأجل الطويل، لا سيما إذا اقترنت سياسات توحيد وتحرير التجارة بسياسات توحيد وتحرير الاستثمار على مستوى الإقليم. ونتيجة لذلك، من الضروري المضي في توحيد السياسات التجارية في المنطقة من خلال وضع إستراتيجيات موحدة لتنويع الصادرات، وخفض التعريفات، واعتماد اتفاقات تجارية تفضيلية إقليمية ودولية.

وتبين دراسات للاسكوا أن سلطة عمان تسجل أفضل أداء من حيث نفاذ صادراتها إلى الأسواق، تليها المملكة العربية السعودية بينما تحلّ المملكة العربية السعودية في المرتبة الأولى من حيث البيئة المؤاتية للتجارة، تليها الكويت وعمان والإمارات العربية المتحدة. وتحتلّ الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى من حيث كفاءة نظام الجمارك والإجراءات الحدودية، تليها المملكة العربية السعودية وبقية الدول. ومن الملاحظات الهامة إن الاتفاقيات التجارية التي وقعتها البلدان الخليجية لم تحقق حتى الآن جذب كميات الاستثمار اللازمة للنمو والتنمية. غير أن المضي في توحيد السياسات التجارية يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التخصص الذي يعزز النمو والتنمية داخل المنطقة في الأجل الطويل. وعلى هذه البلدان أن تركز على التخصص في إنتاج السلع التي تتمتع بميزة مقارنة في إنتاجها، أي بميزة تدني كلفة الفرص. كذلك إلى ضرورة اعتماد مجموعة سياسات تقوم على تعزيز الصادرات والاستمرار في إصلاح السياسات التجارية وتحديثها، في ظل تزايد المنافسة من الأسواق العالمية. ومن شأن تعزيز قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن يؤدي دورًا أساسيًا في تحسين الأسواق ورفع مستوى التجارة.

د. حسن العالي ديسمبر 15, 2017, 3 ص