أكاديميات الطيران في المملكة

يتجه أبناؤنا إلى الخارج للدراسة في مختلف علوم الطيران كتعليم قيادة الطائرات والهندسة والصيانة وغيرها من التخصصات التي تتعلق بهذا المجال الحساس والمطلوب دائما في سوق العمل السعودي والمتخصص في هذه الصناعة، ولكن للأسف كل ما يتعلق بدراسة الطيران يكون ضمن بعثة خارجية أو دراسة خاصة على حساب الطالب أو عائلته، أو قد يكون ضمن برنامج متكامل تتكفل بمصاريفه خطوط الطيران أو الشركة لمنسوبيها الجدد، فتتجه الأموال لدول أخرى لا تزيد علينا في الإمكانيات والقدرات أبدا.

في البداية يجب أن نؤمن أن الكليات التي ترعى الطيران في جميع مجالاته في العالم هي إما حكومية أو يملكها رجال أعمال شغفهم بالطيران أكبر من رغبتهم بالعائد المادي على استثماراتهم، وهذا يؤكد لماذا دائما نجد المستثمرين العاديين يهربون من هذه المشاريع التي تصنف بأنها ذات عائد ربحي غير مغر على المدى القصير، لذا لا يجب علينا أن نتساءل: لماذا لا تحتل المملكة مركزا بارزا في تعليم الطيران بالمنطقة، وتدريس وتخريج دفعات كبيرة من الراغبين في العمل في السعودية ودول الخليج والمنطقة.

كيف تقاس هذه العملية؟ سأذكر لكم مثالا واقعيا: في الدول الصغيرة التي يوجد بها شركات طيران محدودة التشغيل ولديها أسطول قليل من الطائرات، عادة لا يكون لديها كليات لتخريج الطيارين، فإن كان احتياجها لعشرة طيارين سنويا، ستكون تكلفة دراستهم في نفس البلد مُكلفة جدا وذلك لقلة عدد الطلاب، وبسبب ذلك تلجأ كثير من الأكاديميات في بعض الدول وخاصة التي تكون بها هيئات طيران ضعيفة للتقليل من جودة التدريس لخفض رسوم التعليم، مما ينعكس سلبا على مخرجات التعليم وهذا ما تخشاه شركات الطيران، ولهذا الأمر نجد العديد من الخريجين الجدد يواجهون صعوبة في الحصول على الوظائف المناسبة لشهاداتهم ورخصهم.

في بعض الدول نجد مدنا صغيرة وتحوي أكاديمية طيران أو اثنتين، فأكاديميات الطيران بصفة عامة لا تتطلب جهدا كبيرا لتدريس مناهجها، خاصة إذا كان هناك عدد كاف من الطلاب، فهي تتبع منهجا واضحا تضعه لها الأنظمة والقوانين وتجعل الطالب مرشحا للوظيفة بشكل عاجل، وعندما يلتحق الطالب السعودي بإحدى هذه الأكاديميات، فإنه يتحمل تكاليف سفر وسكن ومواصلات كبيرة جدا، تكاد تجعلها مستحيلة لغير المقتدرين.

وفي المملكة، يوجد خمس شركات تجارية وشركات طيران خاص وقطاعات عدة تخدم هذا المجال الذي يعمل فيه الآلاف من السعوديين والأجانب، والذين تخرج أغلبهم خارجها، فمن المفترض أن يكون سوق بهذا الحجم جاذبا لإنشاء العديد من الأكاديميات التي تخدم مجال الطيران بصفة عامة، ولكن للأسف لا يوجد إلا أكاديميات لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، بالإضافة إلى أن رسوم التدريس لديها تساوي أو قد تضاهي تكاليف الدراسة في الخارج.

قد يكون العائق الأول متعلقا بالطلاب الراغبين بالالتحاق في أكاديميات الطيران هو اللغة الانجليزية، وهذا شيء طبيعي لأنها ليست لغتنا الأم، ولكن هناك العديد من الطلبة الذين يتخرجون من الثانوية في المملكة ولغتهم الانجليزية تعتبر جيدة جدا، نستطيع أن نستهدفهم ونشجعهم على العمل في هذا القطاع، أما الطلاب الذين لا يجيدون اللغة الانجليزية فبالامكان تدريسهم اللغة الانجليزية بشكل مكثف إما في السعودية أو خارجها، حيث تعتبر اللغة الانجليزية متطلبا ضروريا للعمل في صناعة الطيران، وبعد إنهائهم دراسة اللغة، يستطيعون دراسة الطيران في بلدهم!

أما العائق الثاني فيتعلق بالمستثمرين الراغبين في الحصول على عوائد مالية جيدة على استثمارتهم، وهذا لن يكون ممكنا على المدى القصير من دون دعم حكومي لمثل هذه المشاريع، أو على الأقل دعمهم بأنظمة الابتعاث الداخلي، ومن جانبٍ آخر على شركات الطيران السعودية دعم الأكاديميات السعودية بإعطاء خريجيها الأولوية في التوظيف عن غيرهم.

والحقيقة أننا نلحظ في الفترة الأخيرة توجهات من بعض الجهات الحكومية والخاصة لتطوير وتأسيس أكاديميات على مستوى عالٍ جدا تخدم القطاعين المدني والعسكري وذلك في مجال دراسة الطيران وصيانة الطائرات، ومن أبرزها ما قامت به شركة مطار الدمام من دعم لإنشاء فرع لأكاديمية أكسفورد للطيران والتي تعد من أقوى الأكاديميات عالميا والتي تم الإعلان عنها في معرض دبي للطيران قبل ثلاثة أسابيع، قد نرى خريجي هذه الأكاديمية في المستقبل القريب يعملون في شركات الطيران المشغلة في المملكة ودول الخليج وهذا ما نطمح إليه ونتمناه باذن الله.

علي الخطيب ديسمبر 8, 2017, 3 ص