القيم الاجتماعية والثقافة الإنتاجية

الإنتاجية العالية سر التنافسية للأمم وعلى رأسها الامة اليابانية التي لا تملك الموارد الطبيعية والنفط والمعادن اللازمة لانتاج السلع والمعدات والآلات سواء في صناعة السيارات او صناعة الالكترونيات المتقدمة مثل الحاسوبات. ويعود السبب في تقدم اليابان وغيرها من الدول المتقدمة إلى ثقافة الإنتاجية العالية لدى الإدارات العليا والموظفين في المؤسسات الحكومية والشركات الربحية التي اصبحت تنافسية وعابرة للقارات منذ حوالي نصف قرن. وللقيم والثقافة المجتمعية دور بارز في مستوى الانتاجية في المجتمعات الانسانية، لذلك نجدها عالية في مجتمعات ومنخفضة في مجتمعات اخرى.

وتعرف القيم المجتمعية بأنها السلوكيات والاتجاهات العامة المتفق عليها والتي يمارسها المجتمع ويشترك فيها. إذن فهي اعتقادات راسخة في العقل بين افراد المجتمع، منها ما هو مفهوم ايجابي مثل الصدق والأمانة، أو سلبي مثل الكذب والسرقة واختلاس المال العام. وللقيم الدينية دور كبير في تنمية قيم العمل والانتاجية وادارة الوقت والاخلاص والجودة في العمل.

أما في علم النفس فإن القيم تعتبر الثوابت المهمة التي توجه انطباعات وسلوكيات وتصورات الإنسان، خاصة إذا كانت غالبية المجتمع تشترك معه فيها. والقيم تنتمي إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية إلا أن لها تأثيرات اقتصادية ومالية، فمن يردد مقولة «انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» لا بد انه مسرف ماليا ومفلس اقتصاديا، لأن هذه القيمة غير صحيحة من حيث المبدأ الديني والممارسة السلوكية والاقتصادية، لأن التبذير وعدم ادارة المال من اسباب فشل الأفراد والجماعات والشركات في تحقيق الغايات.

تتغير القيم بتغير البيئة المحيطة بالمجتمع، حيث نلاحظ اليوم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تغير مفاهيم اجتماعية كثيرة مثل شبه انعدام خصوصية الأسرة ومعرفة بعض افرادها الكثير عن اسرة اخرى اكثر من معرفتهم بأسرتهم المباشرة. وما كان غير مقبول في السابق اصبح مقبولا اليوم لأن القيم تغيرت ربما إلى الأسوأ فيما يتعلق بالخصوصية الأسرية.

وبالطبع تساهم القيم في تأسيس الثقافة المجتمعية والتي تعتبر مفاهيم وممارسات وانطباعات واتجاهات وتصورات واعتقادات مشتركة بين افراد مجتمع ما. وهذه الثقافة إما موروثة أو مكتسبة او كلتاهما، لكنها في مضمونها تؤثر في العديد من قيم العمل مثل الالتزام بالعمل واحترام الوقت وادارته بكفاءة. واليوم اصبحت الثقافة التنظيمية للشركات من منظور عالمي، بحيث لا تهيمن الثقافة المجتمعية المحلية على ثقافة الشركة لأن بيئة العمل تختلف عن السابقة فقد تنوعت ثقافات وجنسيات ومعتقدات وألوان وعرقيات الموظفين، لذلك لابد من ثقافة تنظيمية عالمية تراعي التنوع والاختلاف بين الموظفين.

تتأثر الكفاءة الانتاجية في الشركات بالخلفية الثقافية للموظفين في امور كثيرة، مفهوم قيمة الوقت وقيم العمل ومفاهبم اخرى مثل الالتزام بالعمل. والملاحظ أن هناك خلطا بين الانتاجية والكفاءة الانتاجية والفاعلية، لذلك يلزمنا توضيح هذه المفردات لمن يلزمهم معرفتها. تعني الإنتاجية في العمل تحقيق الاهداف المأمولة على مستوى الفرد والجماعة والشركة، بينما تعني الكفاءة الإنتاجية تحقيق الأهداف بأقل ما يمكن من المدخلات لتحقيق مخرجات بقيمة أعلى من تكلفة المدخلات. ولا تختلف الإنتاجية كثيرا عن الفاعلية فكلتاهما معنية بإنجاز الهدف.

المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة والأسرة، وكذلك مراكز التدريب المتخصصة معنية بتطوير قيم وثقافة العمل والمهارات الأساسية الشخصية والمهنية، وذلك للأفراد لأنها مهمة لتطوير الفاعلية والإنتاجية والكفاءة الإنتاجية على مستوى القطاعين الحكومي والخاص. ومن الضرورة دمج الثقافة التنظيمية في رسالة ورؤية الشركة أو المؤسسة الحكومية، ناهيك عن التكامل بينها وبين الكفاءة الإنتاجية وقيم العمل واخلاقيات المهنة. إن فهم المسؤول لمتطلبات المنافسة العالمية يجعله يرسخ مفهوم قيم العمل والكفاءة الإنتاجية بين الموظفين لتحقق بذلك المملكة مركزا تنافسيا متقدما بين دول العالم.

د. عبدالوهاب القحطاني ديسمبر 5, 2017, 3 ص