الجراد الإعلامي

في غمرة النشاط السياسي المتزايد، والتصارع المعرفي، والهيمنة التقنية.. أصبحت حدود الدول عبارة عن خطوط متعرجة أو ممتدة في الأطالس الجغرافية.. فكان الالتصاق والتمازج والتداخل بين تلك الحدود.

حقيقة الأمر أن ما يلوح في الأفق العالمي على المستوى السياسي سوف يكون أوسع وأنشط بوجود هذا الزخم في المنتج الإعلامي بكافة وسائله التقليدية أو الجديدة.. حيث ان هوية الإعلام الذي نعرفه وشخصيته اكتسبت أبعادا جديدة، وملامح مختلفة يكاد الكثير يجهلها، ويقف أمامها بلا وعي ولا فهم واقعي لما يجري.

الإعلام لم يعد رسالة عادية.. بل أصبح آلة وقوة ترفد الدفع السياسي باتجاه حدث ما.. بل إن المتلقي البسيط أصبح جزءا دون ان يشعر من هذا الواقع الساحر.. وصار أداة.. بل إنه تم توظيفه من غير أن يدرك أو يدري.

حتى أن الفضاء الإعلامي صار فوضويا لا يمكن السيطرة عليه من قبل المتحكم.. فكل وسائل الإعلام التقليدي، والجديد، وحتى المتجددة مستقبلا أمست في وقتنا المعاصر منافذ للتدفق في اتجاهات متشعبة ذابت بينها كل الحدود السياسية والمعالم الثقافية، والملامح الاجتماعية.

هنا كمنت خطورة واقع التأثير الإعلامي على المتلقين لرسائل هذه الوسائل، وهذا النشر العائم والفوضوي بتشكيل وعي غريب يكون أحيانا هشا أمام كثافة التعرض لتلك الرسائل، فلم نعد نعرف ما يمكن ان يفعله المحتوى الإعلامي ويؤثر به على المتلقي.. فدرجة الإخلال بالحقائق مقابل نثر الأكاذيب أو الشكوك عن أي قضية كانت هائلة.

مع هذا التفوق والحراك السياسي والاقتصادي للمملكة العربية السعودية ظهرت ساحات للحرب علينا، فتكاثفت الهجمات، وتكاثرت الافتراءات، وزادت التلفيقات، وتكررت الأطروحات المأزومة علينا.. فاجتمعت كل وسيلة إعلامية من خلال برامج وحملات وأخبار موجهة مع المرسل العامل في تلك الوسيلة أو مرتزق يتم توظيفه الشخصي واستغلال حساباته في وسائل الاتصال لتعزيز ما تقذفه وسيلته من غثاء.

هذا ما يمكن أن أسميه «الجراد الإعلامي» الذي ينتشر بغرض التشويه أو الفبركة أو محاولة التشكيك في واقع سياسي واقتصادي لنا قد تفوق عليهم وضربهم في مقتل.

ويبقى القول: يجب أن نوظف أنفسنا بوعي كلٌ في وسيلته «تقليدية، جديدة» ونشكل نحن أسرابا من الجراد الإعلامي يهب فيه الجميع فيمثل خطا للدفاع، ومصدات تتماهى وتتناغم فيها كل الرسائل الإعلامية بكافة الأدوات المتاحة، وتوظيف كل قادر نفسه لتشكيل وعي وطني مضاد، وتكريس المناعة ضد الرسائل السلبية، وحجب الإشاعات، والامتناع عن المشاركة فيما يخدم الانتشار السلبي عنا خصوصا في الوسائل الحديثة، وتعزيز ابتكار خيارات جديدة للذود.. فتكون غايتنا أكل مساحات الأخضر واليابس بكل وسيلة تهاجمنا وتعبث معنا، والرد الحازم والذكي على ما يثار حولنا من نقع السوء والحقد.

عبدالعزيز اليوسف نوفمبر 30, 2017, 3 ص