كلنا في الهم شرق

يتهم أبناء الأمة العربية بتهمة جائرة لا يمكن الركون إلى صحتها وهي أنهم لا يقرأون، وهي تهمة ان جاز أن تسود على شريحة معينة منهم فلا يجوز أن تسود على كافة الشرائح اطلاقا، فالقول بان أبناء الغرب ويقصد بهم رعايا الدول المتقدمة لا يضيعون أوقاتهم سدى فهم مشغولون إلى ذقونهم بقطع أوقاتهم في القراءة كما هو الحال على متن الرحلات الجوية أو داخل القطارات أو قاعات الانتظار في أي مكان.

أقول بان هذا القول ان انسحب عليهم فهو ينسحب أيضا على أبناء دول الشرق، فلا صحة لاضاعة أوقاتهم في اللهو واللعب إلا في حالات نادرة لا يمكن أن يستثنى منها أبناء الدول الغربية، ولا أظن أن تلك التهمة التي التصقت بأبناء الشعوب العربية تصح على الجميع، إلا إذا تشبثنا «بعقدة الخواجة» تلك التي تصفق لكل قول أجنبي وتكاد تخفي كل ايجابيات ما يقال عن أبناء الأمة العربية.

وليس هذا هو بيت القصيد وإنما أردت بهذه الديباجة العجلى أن أدخل في صلب الموضوع فأقول إنني اخترت عنوان هذه المقالة من عجز بيت لأمير الشعراء أحمد شوقي من قصيدة خالدة يتغنى فيها بدمشق أو «جارة الوادي» كما سماها في قصيدة رائعة أخرى، فاذا كان العرب لا يقرأون كما يدعي بعض المدعين فأكاد أميل الى تصديق من يقول بان الغربيين في الوقت الراهن تركوا هذه الهواية الجميلة.

والسبب كما أرى هو انتشار مفردات «اللغة الالكترونية» ان جاز التشبيه بين شباب العالم كله، فما عاد هؤلاء ولا أولئك يحفلون بالكتاب الذي احتلت مكانه تلك اللغة «السهلة» فكلنا في الهم شرق كما قال شوقي، فتصفح المعاجم والروايات والأقاصيص والأشعار ونحوها من المعارف والعلوم أضحى في متناول الجميع بالضغط على أزارير مفردات تلك اللغة عبر الشبكة العنكبوتية، وأكاد أجزم أن الشاعر نفسه لو عاش في عصرنا الحاضر لما قال إن «آية هذا الزمان الصحف» كما جاء في عجز بيت يتحدث فيه عن صاحبة الجلالة التي أثرت على مفاصلها بشكل أو آخر «الصحافة الالكترونية» وتكاد أن تسحب البساط من تحت قدميها.

لا أدري ماذا يخبئ لنا الغد من مفاجآت وأعاجيب، وأخشى ما أخشاه أن يخترع المخترعون آلة تفكر نيابة عن العقل البشري، وحينئذ قل على عقولنا السلام، فهذا الاختراع الذي يتكهن العلماء بانتشاره قريبا سوف يتمكن بثقة واطمئنان من كتابة الروايات والأقاصيص والنصوص المسرحية والأشعار والمقالات ونحوها من الأعمال الفكرية الابداعية، وهذا يعني أن العقول البشرية سوف تركن على الرفوف.

وبمناسبة الحديث عن الشبكة العنكبوتية فماذا يقول المتنبي لو بعث في هذا العصر عن الكتاب، هل تراه يتشبث بصدق العجز الشهير الذي جاء في احدى قصائده: «وخير جليس في الزمان كتاب»؟

محمد الصويغ نوفمبر 20, 2017, 3 ص