مرض الأزمة.. وثقافة «السباط»...

الأزمات سيئة جداً، وهي نوع من الأمراض التي تلم ببني الإنسان وتصيبهم بآلام متنوعة، لكنها، أيضاً، تمنحهم تجارب وخبرات ثمينة وتفتح عيونهم على خفايا ما كان لهم أن يعوها إلا في الأزمات وحومات الكره.

المملكة، مثل أي بلد آخر، تواجه أزمات، بعضها نزوات دبلوماسية طبيعية في الدبلوماسية المتفلتة، وبعضها تنشأ مجاناً من أمراض نفسية وسوداويات خاصة تتلبس أحزاباً أو أفراداً من أدعياء الأيديولوجيات يروجون لكره المملكة وعداوتها. وكانت المملكة، في السابق، تتبع سياسة المدارات، والعفو والتسامح وأحياناً التجاهل، وتصبر على جراحها من أجل الأشقاء والأصدقاء والذين يعتبون وتتجاهل الجهلة ومروجي السوءات، إلى أن ظهرت ثقافة جديدة لدى الأشقاء والأصدقاء، ترى أن تسامح المملكة ضعف وعفوها ملك حصري لهم وهم يفعلون ويقولون ما يشاءون، حتى أن بعضهم صار يتطاول على السعوديين والمملكة ويعتدي على حقوقها الطبيعية في السيادة والدفاع عن الكرامة والأرض والوحدة الوطنية والثروات.

حسناً.. لا نلوم المواطنين العرب البسيطين والأميين الذين يعيشون بعواطفهم الجياشة وتختطفهم آلات الدعايات الحزبية وتستولي على أذهانهم وعقولهم، لو لم يتطور المرض ليصيب نخباً ومثقفين يبارون الأميين في المقاهي لكيل الشتائم للمملكة، حتى أنهم لا يرون أن للمملكة سيادة ولا كرامة، بينما هم يتحدثون عن سيادة بلدانهم وكرامتها.

في الأزمة اللبنانية الراهنة، رأينا مقدمي برامج وناشطين حزبيين ونخبا وما يفترض أنهم مفكرون ومثقفون، يسابقون صبيان الأزقة وأطفال المدارس في مهاجمة المملكة بلغة رديئة، أحياناً، والإفصاح طوعاً أو قسراً، عما كانوا يخفونه خلف المظاهر البراقة وربطات العنق والبدل، والتحدث بلغة خليط بين العربية والأجنبية، كناية عن بلوغهم المرام الحضاري وأنهم تلاميذ آخر صيحات المدنية العصرية. لكن عقولهم لا تزال تختزن ذات البدائية التي يدعي الإنسان المعاصر أنه قد ذراها في رياح الأعاصير، ولم تستطع عشرات السنين من الدراسة والمطالعة ومخالطة المدنيات أن تنظف مخيخاتهم من هذه السموم الفتاكة المعمرة المدمرة.

وانقسم اللبنانيون، الوطنيون العقلانيون الذين يرون أنه يجب إصلاح حكومتهم واتباع دبلوماسية مصالح، ومنع رئيسهم من ارتكاب حماقات ومنع حزب الله من إشعال النيران في «السيادة» اللبناينة كي لا توجه الرياح النيران وتعيدها إلى لبنان، وآخرون صامتون لا يستطيعون مدح حكومتهم ولا ذمها. وقسم آخر منهم وهو الذي يخشى بطش الحزب وانتقاماته الوحشية، يقدم ولاء معلناً للحزب، اتقاء لشرور السادة. والقسم الأخير المبرمج ذهنياً وكلياً كي يكون «سباط» السيد على رأسه. وشعار «السباط» بهذا الإذلال لم يكن موجوداً في لبنان لكنه إحدى القيم الثقافية الجديدة التي يروج لها الحزب «الإلهي» مع خليط ما ورائيات أخرى، ويفرضها على «سيادة» لبنان ويجعلها ومشروع وطن الأرز الأول في المحافل الدولية وفي الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضاً.

مطلق العنزي نوفمبر 17, 2017, 3 ص