على أعتاب العام الجديد

تتشابك العديد من التوقعات الاقتصادية في تحديد مسار أداء الاقتصاديات الخليجية خلال العام 2018، حيث يتسم بعضها بالتفاؤل والبعض الآخر بالتشاؤم وفقا للسيناريوهات السياسية والاقتصادية المعتمدة في هذه التوقعات.

البنك الدولي يتوقع في آخر تقرير له أن يتعافى معدل النمو في دول مجلس التعاون الخليجي من 1.3% عام 2017 إلى 2.6% عام 2018. ويشير إلى أنه على الرغم من استمرار تأثُر معدل النمو الكلي بخفض إنتاج النفط، فإن نمو القطاع غير النفطي بدأ يتحسن بعد أن بلغ أدنى مستوياته. ومع توقُع استقرار أسعار النفط قرب المستويات الحالية حول 60 دولارا للبرميل وتباطؤ وتيرة التقشف المالي وتطبيق الإصلاحات الرئيسية المقررة في المنطقة، والتي يبرز منها بشكل خاص الجهود التي تقوم بها المملكة العربية السعودية في تجسيد رؤية 2030 من مشاريع ومبادرات ضخمة ومكافحة الفساد، فمن المنتظر ارتفاع الإنفاق ومستوى الثقة في القطاع غير النفطي.

وتشير التوقعات الواردة بالتقرير إلى تحسُن أرصدة الموازنة العامة والحساب الجاري على مستوى المنطقة، إلا أنها لن تعود على الأرجح إلى مستويات ما قبل عام 2014 حين كانت تحقق فائضا تجاوز 9%. ومن المتوقع أيضا أن تظل مساهمة صافي الصادرات في النمو ضئيلة على المدى القريب إلى المتوسط.

لكن التوقعات الاقتصادية للمنطقة عرضة لمخاطر كما يقول البنك. فبالإضافة إلى الأجواء الضبابية الناتجة عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، فإن خفض منظمة أوبك لأسقف الإنتاج يمكن تقويضه أيضا من جانب منتجي الطاقة غير التقليديين في أمريكا الشمالية. ويمكن لأي اضطراب في الأسواق المالية العالمية أن يؤثر على تكلفة التمويل لمنطقة لا تزال لديها احتياجات تمويلية ضخمة. كما إن تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق هو أحد التحديات الرئيسية للمنطقة. وقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في إلغاء دعم الطاقة وتسعى الآن إلى زيادة الإيرادات غير النفطية. ومن المتوقع فرض ضريبة القيمة المضافة على مستوى دول المجلس في عام 2018.

ويتفق الخبراء على أنه لكي تتجنب دول التعاون هذه المخاطر وتخفف من تأثيراتها، فإن عليها، ومع الانتهاء من الضغوط على الموازنة، التحول من التركيز على خفض الإنفاق الجاري على المدى القصير وضبط الإنفاق الرأسمالي إلى إجراء إصلاحات للمؤسسات وسياسات المالية العامة على نحو أعمق ومتعدد الأبعاد. وستساعد هذه الإصلاحات في تأمين استدامة الموازنة على المدى البعيد، كما تساند تنمية القطاع الخاص وتنشيطه. ومن خلال تعزيز ثقة المستثمرين والأسواق، يمكن لهذه الإصلاحات أيضا أن تؤدي إلى إطلاق حلقة حميدة من تدعيم الاستثمارات، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر، ونمو الإنتاج في المدى القريب.

كذلك من أبرز التحديات التي تواجه السياسات في معظم دول الخليج عام 2018 توفير فرص عمل للعدد المتزايد من الشباب، حيث يعمل معظم المواطنين في القطاع العام، مع مراجعة الوظائف والأجور في القطاع العام التي تعمل بشكل معاكس لأهداف إصلاحات سوق العمل الجارية التي ترمي إلى زيادة الحوافز لالتحاق المواطنين بالعمل في القطاع الخاص، خصوصا بعد انخفاض الإنتاجية وتدني مستوى حساسية توظيف المواطنين للنمو الاقتصادي، مما يحث على رفع مستوى جودة التعليم، وزيادة القدرة التنافسية للمواطنين في سوق العمل بالقطاع الخاص.

كما تبرز أهمية قيام حكومات دول التعاون خلال العام 2018 بمواصلة تنفيذ برامج التحفيز الاقتصادي بهدف مساعدة القطاع الخاص على مواجهة التحديات الراهنة وتقديم التسهيلات للشركات التي تواجه مشكلات بسبب نقص فرص الحصول على التمويل اللازم، بشرط التأكد من احتمال استمرار تلك الشركات على المدى الطويل من خلال جهود إعادة هيكلتها لضمان استمرارها، ومن خلال تقديم الضمانات الحكومية للائتمان الممنوح لتلك الشركات، مما يساعد على جهود إعادة الهيكلة.

كذلك تبرز أهمية اتباع سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية من خلال زيادة الإنفاق، خاصة إذا ما تم توجيهه نحو الأنشطة الإنتاجية والمشروعات. كذلك العمل على استمرار جميع مشاريع الاستثمار والصيانة، وعدم تأخير تلك المشاريع بسبب انخفاض الإيرادات، ويمكن التركيز على المشاريع الاستثمارية الحيوية ذات الروابط الخارجية القوية في الاقتصاد الوطني، التي يمكن أن تساعد بشكل مباشر على تنشيط مستويات الطلب الكلي، وبشكل غير مباشر من خلال تعديل التوقعات التشاؤمية.

إن الإنفاق على البنية التحتية مثل توسيع الإنفاق على الصحة وإنشاء المزيد من المدارس والطرق ومشاريع البنية الأساسية يمكن أن يكون محفزا جيدا للاقتصاد، حيث يؤدي هذا الإنفاق إلى رفع مستويات السيولة وزيادة مستويات الدخول ومن ثم رفع مستويات الطلب الكلي ومستويات التوظيف. كذلك على حكومات دول الخليج أن تقدم الدعم لمشاريع القطاع الخاص التي تعمل في القطاعات الحيوية في الاقتصاد، كما يجب عليها ألا تهمل خطط مراقبة برامج الإنفاق لقطاع الأعمال الخاص إذا ما تعثرت تلك البرامج، فمن الممكن أن تقوم الحكومات بالتوقيع على عقود مشاركة للمشاريع الجوهرية التي ينفذها القطاع الخاص التي تعثرت نتيجة نقص رؤوس الأموال الخاصة لتتحول تلك المشاريع من مشاريع خاصة إلى مشاريع مشتركة، وغني عن البيان أن ذلك الأمر يجب أن يتم على أساس انتقائي، حيث تعطى الأولوية للمشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية في القطاع غير النفطي، ذلك أن أساليب التعامل الحكومي مع الشركات الخاصة أثناء الأزمة يجب أن تختلف بعض الشيء، حيث ينبغي في هذه المرحلة التأكد من عدم قيام الشركات بخفض ميزانيات الاستثمار لديها بسبب نقص التمويل، وذلك من خلال إتاحة فرص التمويل بتكاليف منخفضة.

وبصورة عامة، فإن تعزيز آفاق النمو الاقتصادي عام 2018 يتطلب زيادة كل من استثمارات القطاع الخاص، وإنتاجية الشركات، وتنويع الأنشطة الاقتصادية.

د. حسن العالي نوفمبر 15, 2017, 3 ص