هل أوفيتُ بوعدي لك يا فاطمة؟

في العام ٢٠٠٧ ميلادية، عرفت فاطمة الطفلة الجميلة ذات الملامح العربية الواضحة في مجمع تجاري بمانيلا. كانت مشرقة رغم أسمالها، بالثانية عشرة ربيعا. أخبرتنا أن أباها -كما سمعت من أمها- كان سعوديا وتركهم، ثم تعرفنا على الأم في أبأس تجمُّعٍ بشري سكني يمكن تصوره، وكانت الأم أيضا شابة بأواسط الثلاثينيات بملامح عربية شاهقة. ثم عرفنا أن أب الأم -كما أخبرتنا- كان أيضًا سعوديا وتركهم. فاطمة البنية التي كانت تشع كوردة الفجر رغم بؤس حالها، ماذا كان عملها؟ ولماذا اقتربت إلينا؟ لأنها كانت تقدم خدمات التدليك للسياح.. في غرفهم!

مكننا الله مع محسن مقيم بمانيلا من تحسين وضع الأم وفاطمة، ولَم ننجح بالعثور على وثائق وعقود ثبوتية. ثم أني عدت للبلاد، وصارت فاطمة في ملف الذكريات..

عدت بمانيلا بعد سنتين وسألت صاحبنا المقيم بها والذي كان يتابع حالة فاطمة أمها، وسألته عن بنتنا فاطمة، نكس رأسه وقال: «لقد ماتت بالإيدز».. سألته والدموع تملأ عينَي: «طيب، والأم؟» ولم يرفع رأسه ليتابع: «لقد ماتت بالإيدز أيضا!». شعرت بذنب عظيم، ما زال يقلقني لليوم، ووعدت فاطمة في قبرها ألا تكون هناك فاطمة أخرى. فبدأت مع صديقي المحسن المقيم هناك بتأسيس ما سميتها «رابطة العودة للجذور»، لكن هذه المرة لبناتنا وأبنائنا السعوديين والمثبتة بنوتهم لآباء سعوديين بعقود الزواج الشرعي والمدني وشهادات الميلاد والتسجيل بالسفارة السعودية بمانيلا.

لا يسع المكان بذكر حتى بعض القصص التراجيدية لأولئك البنات والأولاد والأوضاع المزرية من الفقر والمرض وضياع الهوية الدينية واللغوية، فقد رويتها مرارا وتكرارا. هذه المرة بعد انقطاع قسري عن بناتي وأبنائي بالرابطة والذي استحال علينا إعادتهم للمملكة لتعنت الآباء.. التقيت بهم فأفرحوا قلبي، وجدت بعض البنات تخرجن في الجامعات بتفوق، وبعض الشباب كذلك، وبعضهم نجح نجاحا عريضا بالرياضة أو المهنة أو العمل التجاري الفردي.. وأشكر هنا سفارتنا بمانيلا حيث يحضر بعضهم دعوات السفارة باجتماع وحفل اليوم الوطني بالسفارة.

فهل أوفيت بوعدي لك حبيبتي وصغيرتي فاطمة؟ لا أظن حبيبتي فقد بقي أن نتابع ونبحث، ونحرص على من مازالوا صغارا..

وما زلت يا فاطمة أتضرع لربي أن يسامحني لأني تركتك وسافرت لتعاني المرض.. حتى أراحك الموت.

نجيب الزامل نوفمبر 1, 2017, 3 ص