النفط العالمي وأرامكو في أوقات التقارب الإستراتيجي

بروفيسور: رياض عجمي

على رأس هرم شركة أرامكو - شركة الزيت العربية الامريكية وقتها- عمل فرانك جنقرز لأكثر من ثلاثين عاما حيث كان جزءا لا يتجزأ من الشركة منذ عام 1947 حتى نهاية عمله كرئيس ومدير تنفيذي للشركة في عام 1979. وفي عام 2014 نشر كتابه «القافلة تسير» الذي أبرز فيه أهم محطات نمو ارامكو جنباً إلى جنب مع نمو المملكة العربية السعودية، فالدور الذي لعبته ارامكو في التنمية والتحول الاقتصادي السعودي كان سببا رئيسا في تأسيس العلاقة بين المملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر مصدر للنفط وبين شركات النفط العالمية الأخرى، فمنذ بداية نشأة ارامكو فى مايو 1933 كان من أهم أهدافها أن تصبح أكبر شركة موثوقة في العالم في مجال إنتاج الطاقة، وقد حققت الهدف بقدرة تنافسية هائلة بإنتاج ما يقارب عشرة ملايين برميل من النفط يومياً بما يساوي 95.4 من الانتاج العالمي.

فرانك جنقرز مهندس تكنوقراطي تدرب جيدا قبل عمله في السعودية، فحياته الأولى في ولاية داكوتا الامريكية رسخت لديه المفهوم الامريكي (can do - أستطيع فعلها) وبعد تخرجه في جامعة واشنطن انتقل إلى المملكة العربية السعودية وانضم إلى ارامكو. وفي تلك الحقبة كانت السعودية دولة ناشئة بدأت في تأسيس وجودها عن طريق القائد الملهم الملك عبدالعزيز -رحمه الله-.

بدأ توافد العمال الأجانب والخبراء إلى المملكة العربية السعودية ولعب السيد جنقر دورا مهما في ادخال وتعريف مفهوم التكنوقراط في المجتمع السعودي، وبالرغم من أن العمل كان صعباً، خصوصاً مع قلة الموارد البشرية المدربة ولكن حرص إدارة ارامكو على التحرك بسرعة في تشكيل التنظيم الهيكلي والإداري وتأسيس مبادئ وأخلاقيات العمل ساعد على نجاح وترقية الموارد البشرية المحلية.

عند التأمل فى نجاح ارامكو نجد رؤية الادارة الأمريكية التكنوقراطية مقترنة بالعمل مع العمالة المحلية، وقد خلق هذا نوعا من اتجاهات الحداثة فى المجتمع السعودي، حيث نجحت الرؤية في صنع مبادئ العمل الامريكية داخل النسيج الاجتماعى السعودي.

كان التكنوقراط السعودي الجديد، الذي تم تطويره من قبل الشركة ظاهرة مثيرة للاهتمام، حيث قدم ثقافة مؤسسية جديدة وأكثر تفاعلا. وعلى ما يبدو أن ارامكو لم تكن الاستثناء الوحيد، فأغلب الشركات أسست القواعد والمعايير الهيكلية الخاصة بها، مما أنشأ نموذجا من الثقافة الفرعية المتباينة بين النظرة الغربية للعمل وتفاعل العاملين المحليين معها.

من المتغيرات، التي ساعدت على نجاح شركة ارامكو داخل المجتمع السعودى التكيف الناجح المعتمد على تطوير وتعزيز السكان الاصليين والخبراء الفنيين السعوديين. على كل حال فإن التكنوقراط السعودية بشكل عام تميل إلى أن تكون واقعية في فهم سياسات الشركة ومدى صلتها بالمجتمع السعودى. كانت هذه التكنوقراط ذات طابع غير سياسى، لم تؤثر عليها القومية الراديكالية فى باقي أنحاء المجتمع العربى. فالتكنوقراط السعودية تتفهم وتقدر الدور الأكبر لـ أرامكو ودور التنمية الاقتصادية والتحول الاقتصادي السعودي.

بدأ فرانك جنقرز في تحديد وتدريب مديري المستقبل فى وقت مبكر بما فيه الكفاية. فقد دأب على التعرف على السعوديين وتدريبهم وإرشادهم، وقد ساعد في ذلك د. علي النعيمى أول رئيس ومدير تنفيذى سعودي للشركة، تعتبر العملية التفاعلية بين ارامكو والمجتمع السعودى مثالا رائعا على التفاعل الناجح بين المضيف (المجتمع) ونظام الشركات النفطية المتعددة الجنسيات.

كثيراً ما يقال ان المرء يقرأ خلال الماضي والتاريخ ويصنع منه مستقبلا كما يحلو له ان يكون.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- لديه رؤية مستقبلية جريئة تعتمد على مفهوم (يمكن تحقيقه) بنفس عقلية الملك عبدالعزيز -رحمه الله- فالهدف هو إصلاح الاقتصاد السعودى وتقليل الاعتماد على النفط والاتجاه الى خصخصة شركة ارامكو السعودية وتوفير 5% للاكتتاب للشركة التى تقدر بأكثر من 100 مليار دولار.

الامير محمد بن سلمان يريد توجيه المملكة الى الاقتصاد العالمى، حيث يسمح للقطاع الخاص السعودي بلعب دور أوسع وأشمل فى الشؤون الاقتصادية فى المملكة مما سيؤسس مرحلة جديدة من التحول الاقتصادى في مواصلة مسار التنمية والنمو، الذى بدأ مع ورود أموال النفط -بفضل الله- ومن ثم شركة أرامكو النفطية التي تشكل حاليا 80% من ميزانية الحكومة السعودية، فمن دون عائدات نفط شركة ارامكو واستدامة مستوى اسعار النفط العالمي التحول الاقتصادي لم يكن ليؤتي ثماره. إن التحديات فى السوق العالمية اليوم على شركات البترول متعددة الجنسيات بما في ذلك شركة ارامكو السعودية كبيرة جداً. وتأمل القيادة السعودية الجديدة اليوم ألا تأتِي الرياح بما لا تشتهيه السفن.

ترجمة بتصرف: عهود الأخضر

بروفيسور: رياض عجمي أكتوبر 12, 2017, 3 ص