القص وحياة الناس المهمشين

خلف ظاهرة الهجرة واللجوء إلى الدول الأوروبية التي استفحلت في السنوات الأخيرة بسبب الفقر والحروب وغياب العدالة الاجتماعية هناك قصص إنسانية تعبر عن مدى قسوة الحياة والبشر، قصص حقيقية لا يمكن استيعابها إلا باعتبارها مآسي تكتب نفسها في سجل التاريخ كشاهد على صدق مقولة «الإنسان ذئب الإنسان». لكن هذه القصص تذهب مع الريح والنسيان مادامت لا تجد سبيل الحديث عنها وإبرازها إلى الواجهة، وطالما كان الإعلام العالمي لا يحتفي بالمهمشين من البشر ولا بقصصهم المأساوية إلا بالقدر الذي يتم توظيفه سياسيا أو اقتصاديا إلا ما ندر وهو قليل على العموم. وحده الأدب والفن هو من يملك القدرة على المقاومة، على الصمود ضد التهميش، ضد تحويل الإنسان إلى مجرد سلعة في سوق التبادل التجاري. والشواهد لا تعد ولا تحصى على مثل هذه المقاومة.

بين يدي رواية اسمها «لا تقولي أنك خائفة» للروائي الإيطالي «جوزبه كاتوتسيلا»، وهو عمل روائي استندت أحداثه على واقعة حقيقية، تحكي قصة عداءة رياضية (سامية) موهوبة من الصومال، كان جل طموحها المشاركة في أولمبياد لندن 2012 وبعد أن تقطعت بها السبل في بلدها بين الاقتتال الداخلي وتقلص الحريات خصوصا للمرأة بسبب التشدد الديني وبين انتشار الفقر، لجأت إلى شبكة المهربين المنتشرة على طول الحدود الأفريقية للوصول بها إلى شواطئ إيطاليا، وكأنها بذلك استجارت من الرمضاء بالنار. لكنها لا تصل إلى وجهتها المبتغاة، ففي عرض البحر وسط الأمواج الهائجة، في قارب معطل، تحاول أن تنجو بالسباحة. لكنها تغرق. وبذلك تنسدل قصة مأساوية من قصص عديدة مثلها لم يتمكن الناس من معرفة تفاصيلها لولا الإمكانيات الكبيرة الذي يقدمها السرد القصصي عن حياة الناس العاديين، ولولا وجود أيضا قاصين وروائيين على درجة كبيرة من القدرة على إظهار تلك الإمكانيات الكامنة في السرد.

لقد استطاعت الرواية أن تظهر الوجه الحقيقي للمشاعر الإنسانية، وأن تذهب في دهاليزها وتزيح الستار عن أبشع المواقف التي يمكن أن يتخذها إنسان تجاه إنسان آخر، بالقدر الذي نرى فيها صورا إنسانية على النقيض منها أيضا. ولم يترك الروائي معلومة صغيرة أو كبيرة عن حياة البطلة إلا ونفض الغبار عنها، حوارات ولقاءات مع أصدقاء رحلتها، مع أختها التي تعيش في هلسنكي، مع أسرتها وجيرانها في الصومال. هو عمل صحفي شاق يتم استثماره روائيا كي يعطينا قصة إنسانية ترتفع إلى مصاف المثال والشاهد على حياة إنسانية عابرة لا يلتفت إليها أحد. وإذا الواقع يقول إنها غرقت، فالرواية تنقذها من الموت وتوصلها إلى حلمها الذي خسرت من أجله حياتها وهذه قمة الإنسانية.

محمد الحرز سبتمبر 14, 2017, 3 ص