الخضوعية السياسية

تعرف الخضوعية في صورتها العلمية بالماسوشية او المازوخية، وهي اجمالا حالة من الاضطراب، والانحراف. يتعرض لها الافراد، وكذا المجتمعات «الماسوشية العامة» وأيضا الدول، والأنظمة «الماسوشية السياسية» التفسير البسط لهذه الحالة ينصرف إلى التلذذ بالخضوع للغير بحثا عن مزيد من اللذة والامان، وإذا ما استمرت حالة البحث تلك فقد تؤدي بمن يصاب بهذا الاضطراب إلى الاستمرار في البحث عن تلك المعاني حتى يصل إلى درجة الفناء.

أشهر القصص التي يحفظها لنا التاريخ لتفسير هذه «الخضوعية» قديمة، وتعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد. وتتحدث عن ثري مصري يدعى «أخناتون» جرده الفرعون «الحاكم» المصري «أمفسيس» من كامل ثروته وخدمه، وزوجاته. وزاد على كل ذلك ان أمر بقطع اطرافه، وجدع انفه. ولما مات الفرعون كان الماسوشي اخناتون من اكثر من بكوا عليه، مما اثار الاستغراب لدى من حوله، الذين دهشوا عندما اخبرهم بانه يحب ذلك الفرعون الذي كان بارا وعادلا بشعبه!! وقال عبارة مشهورة: كنت في ضلال كبير لاني حملت الحقد يوما لهذا الملك العظيم.

ما تجدر الاشارة اليه ان العالم عرف هذه الحالة الغريبة والغريبة جدا من كتابات الروائي والكاتب الالماني، «ليبولد فون مازوخ» الذي جسد في رواياته ابطالا ماسوشيين بامتياز، وتنقل بعض المصادر الثقافية ان الرجل بعينه كان ماسوشيا هو الآخر.

المهم ان ما قادني إلى هذه المقدمة تصريح لوزير الخارجية القطري عشية تلقي الدول العربية التي تسعى لمكافحة الارهاب وقف تمويله، الرد القطري على النقاط الثلاث عشرة الشهيرة المطلوب من الدوحة الاتيان بها لترفع عنها ادوات المقاطعة العربية. التصريح كان مضمونه، الدعوة الى علاقات اقوى مع ايران، مع الاشارة الى ضرورة التعايش مع ايران لان بين البلدين حقلا ضخما للغاز. هذا التصريح جاء في الوقت الذي كانت مهلة الثماني والاربعين ساعة التي اقترحتها الكويت تلفظ انفاسها الاخيرة، حيث كان الكثيرون يشبهون الدوحة بذلك المسافر الذي يقف في محطة انتظار الحافلات ليغادر اما الى اسرته واهله ومناخ الحياة الطبيعي له، أو ان يختار الاستمرار في النأي بنفسه عن كل ذلك والاتجاه إلى عزلة لا يعلم نهايتها احد. هذه المشاهد السريالية في السياسة العربية وفرت قراءة لاستحضار هذه الحالة الماسوشية السياسية الناردة في منطقة الخليج. بعبارة اخرى الدوحة ترفض العودة للحضن الخليجي العربي، وتذهب طواعية وبدواع غير صحية ابدا الى الجانب الآخر، إلى العدو الخليجي العربي، المحاصر عربيا ودوليا والموصوف بامتياز بانه صانع رئيس للارهاب في المنطقة والعالم. الدوحة وعلى مدى اكثر من ثلاثة عقود بنفسها قامت بمحاولات ما سميت بتقريب وجهات النظر بين ضفتي الخليج، ومن الغريب والعجيب ان الحقائق التي اصبحت جلية للجميع بمن فيهم صناع السياسة في الدوحة تغيب الآن عن الحسابات الحقيقية للمستقبل. الدوحة تعرف انها ليست ندا حقيقيا لايران، ومع ذلك تبحث عن الامان في الضفة الاخرى، في مشهد خضوعي قد ينتهي بالفناء.

سالم اليامي يوليو 8, 2017, 3 ص