النهر السعودي الذي يصب في الدوحة

عرفت طريقًا أشبه بنهر عظيم دائم الجريان. الطريق بين قطر والهفوف. طريق عرفته بشكل يومي لأكثر من أربع سنوات. كنت مديرًا لمحطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية بجامعة الملك فيصل. تقع على جانب الطريق. قصة تأسيس المحطة كانت بسبب وجود مزرعة عامرة لأحد شيوخ قطر من آل ثاني، يمر من أمامها الطريق.

■■ اسم المكان (الغويبة)، خالٍ من البيوت. اليوم أصبح إحدى مدن محافظة الأحساء. كان الموقع خارج النطاق العمراني والزراعي بحوالي (15) كيلو مترًا. عام (1975) بداية تأسيس الجامعة، عرضت شراءها، لتكون محطة للأبحاث الزراعية والبيطرية، حيث بدأت الجامعة بكليتي الزراعة والبيطرة. طلب مالكها (30) مليون ريال، فعدلت الجامعة عن شرائها، وأسست مشروعها بجانب هذه المزرعة بنخيلها الباسقة وسط أرض جرداء إلا من الطريق.

■■ ألفنا مشاهدة سيارات أهل قطر تجوب شوارع مدينة الهفوف يوميًا. نستقبل ونودع، نعين ونعاون، نرحب ونسهل، نستضيف ونكرم. أيضا نجد من أهل قطر كل الود والمحبة. أهل وجيران. هكذا الحياة كانت بيننا وبين أهل قطر الكرام. ثم عزز ذلك طفرة الخير على كل دول الخليج. تغيرت معالم الدنيا، لكن لم تتغير معالم النفوس. الطيبة هي الطيبة. الأخلاق هي الأخلاق. التعامل الحسن هو التعامل الحسن.

■■ تغيرت المعالم المادية والوسائل والأدوات، لكن لم تتغير الأعلام، بقيت مرفوعة بنفس الألوان. تمثل دولًا شعارها السلام. أعلام خفاقة تمثل تلاحمًا ومواقف ومرجلة، ومصيرًا واحدًا. كنتيجة تجمعت، فأسست كيانًا ارتضاه قادة دولنا الخليجية، بمباركة شعبية، (مجلس دول التعاون الخليجي). من التسمية له نصيب. أصبح الكيان الجديد يجسد فرح استمرار محور الأخوة. أصبح مفخرة العرب قاطبة. مرت الأحداث فوجدنا الكيان وجهة الآمال. عشنا أكثر من ثلاثة عقود، نتغنى بالعمل الخليجي العربي المشترك. كنا ننتظر المزيد. لم نتوقع الأسوأ. كان مستبعدًا من قاموس تطلعاتنا.

■■ لا هواجس كراهية وتنافر، لكن زادت مساحة التعارف والتواصل الإيجابي. مساحة شكلت خليطًا جديدًا من الحب، يحمل مزيجًا نادرًا من الانتماء: (بحريني، عماني، سعودي، اماراتي، قطري، كويتي). مع كل اجتماع سنوي لقادة دولنا الخليجية، أصبحنا نردد خليجنا واحد. كانت أجواء ابتسامات القادة مؤشرًا لإعطاء الشعور بأن الجميع يحمل نفس التوجهات.

■■ لم نعلم أن القادة يواجهون تحديات الدوحة بصمت وصبر. لم نعلم أن الدوحة تتحرك خارج مساحة الإجماع على الأهداف. لن أتحدث عنها وعن الأسباب وعن الأفعال. أتحدث عن صدمتنا كشعوب خليجية بموقف قادة الدوحة. (ويأتيك بالأخبار من لم تزود). لماذا وأنتم جزء منّا، جزء من تاريخنا وثقافتنا، جزء من مصيرنا وهيبتنا. لماذا الخروج عن الصف والاجماع الخليجي والعربي؟!

■■ ويرددون: الدوحة واحة العرب، هل يرضيكم أن جعلتموها اليوم (دوخة العرب)؟! لماذا حولتم الدوحة إلى بوق ينفخ في مسارب الشقاق والنفاق؟! خلقت الدوحة للعرب كوارث لن ينساها التاريخ. لم يكن هذا جزءًا من دور ارتضاه لكم مجلس التعاون الخليجي. أي حكمة في فعلكم ونهجكم غير المألوف؟! لصالح من؟!

■■ أن يخرج الفرد عن الجماعة فذلك تهلكة. أن تخرج دولة عن الصف فتلك طعنة. حولتم الدوحة من عاصمة لدولة إلى مركز لتنظيمات إرهابية، يفتك بالأبرياء ويعطل مسيرة التنمية العربية. لماذا أصبحت الدوحة عرّابًا للحروب وملاذًا للإرهاب. صدمتنا كبيرة، بقدر حجم العشم واتساع مساحة التفاؤل. لم نكن نتوقع عمق هذا الجرح واتساع هذا الشرخ الذي أحدثتموه.

■■ تعلمنا من التاريخ أن من يُسلّم مصيره لغير أهله، فعليه أن يتحمّل وحده كل ما يأتيه. ننتظر من حكماء الدوحة أن يعيدوا لطريق (السعودية - قطر) حياته وحيوته ودوره التاريخي؟! كان نهرًا من العطاء جففته الدوحة على نفسها.

د. محمد حامد الغامدي يونيو 19, 2017, 3 ص